تغريد سعادة
كل شيء يحتاج إلى روية، فالسياسة ليست شعارات، بل تشابكات وتعقيدات، وفن الممكن في لحظة تاريخية محددة. هكذا تعاملت السلطة الفلسطينية مع ما آلت إليه الأوضاع في غزة، نتيجة سياسات حركة حماس ومغامراتها.
فالمقاربة التي اعتمدتها القيادة الفلسطينية جاءت من باب المسؤولية السياسية، سينظر لها بعرفان بعد ان يعاد تقييم المرحلة.
في هذا السياق، فان اللجنة الفنية الفلسطينية برئاسة مسؤول رفيع في السلطة الفلسطينية علي شعث، أكد في تصريحاته أن ما ستنفذه هذه اللجنة سيكون ضمن برامج ومشاريع السلطة الفلسطينية، وبمرجعية واضحة لها. ورغم الأحاديث عن محاولات فرض محاصصة لفصائل قريبة من حركة حماس، إلا أن الواقع يشير بوضوح إلى أن المرجعية النهائية هي للسلطة الفلسطينية، كما هو الحال اليوم في معبر رفح. كان هذا عملا وطنيا يهدف الى تصويب الاوضاع والحاق غزة بالضفة.
ومن هنا، فإن كل من يتحدث عن “انهيار مشروع السلطة الفلسطينية” إنما يسعى، عن قصد أو غير قصد، إلى حرف البوصلة، وخدمة رؤية من يريد أن يكون بديلا في الحكم لا شريكا في خدمة القضية الفلسطينية.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن السابع من أكتوبر خدم الاحتلال أكثر مما يتصوره جمهور حركة حماس. فقد منح إسرائيل سنوات من الذرائع الاستثنائية، قد لا تتكرر، لشن هذه الهزة الكارثية على غزة، وما رافقها من دمار واسع ومجازر مروعة.
في المقابل، ومن دون أن يكون لحماس فضل في ذلك بل ساهمت في الهجوم عليها، شهدنا معركة سياسية ودبلوماسية حقيقية للحفاظ على فكرة قيام دولة فلسطين، وهي معركة بدأت منذ إعلان الاستقلال عام 1988، واستمرت رغم كل العراقيل. وبحكم هذا الواقع، لم يكن أمام الفلسطينيين سوى إنقاذ غزة من الإبادة، لا الرهان على مغامرات عسكرية بلا أفق وطني.
وقد جاء تحرك السلطة الفلسطينية قويا ومدروسا، مدعوما عربيا وأوروبيا وإسلاميا، ولم يكن فراغا سياسيا كما يحاول البعض تصويره، ولا يمكن وضع تجربتي فتح وحماس على قدم المساواة. ولا تحميل الطرفين المسؤولية ذاتها، بعد أن غير كثيرون مواقفهم من الدعم العلني لحماس إلى خطاب يقوم على المساواة بين الطرفين تحت عنوان “الاعتراض على الجميع”.
وهي نغمة جديدة تتصاعد اليوم لدى بعض المثقفين، رغم أن الوقائع أثبتت حجم الضرر الذي ألحقته حماس بالقضية الفلسطينية وبالمجتمع.
الأصوات التي لا تزال تتحدث باسم حماس ستنكمش تدريجيا، ليس بسبب قوانين الانتخابات كما يشاع، بل لأن ساعة المحاسبة قادمة عبر صناديق الاقتراع. فحماس نفسها غيرت برنامجها السياسي وقبلت منذ عام 2017 بدولة على حدود عام 1967، مما يؤكد أنها تنظيم براغماتي يناور باسم “المقاومة”، بينما يسعى تاريخيا إلى البقاء قبل أي شيء آخر.
لقد استكملت حماس دورها في تعطيل المشروع الوطني الفلسطيني، وأهدرت سنوات من عمر القضية، وضربت النسيج الاجتماعي لمجتمع كان النضال جزءا أصيلا من هويته. هكذا كان أجدادنا وآباؤنا، وهكذا ورثنا القضية وربطناها بأبنائنا، قبل أن تأتي حماس لتقسم المجتمع بين “مقاوم” و”عميل” بلا رحمة، فتقلب الموازين، وتزرع الشقوق داخل مجتمع كان هدفه الأول دحر الاحتلال.
أليس كل ذلك كافيا لتتوارى حماس عن المشهد؟
لكنها، حتى الرمق الأخير، تحاول حصد أي “إنجاز” وهمي بعد فشل ذريع وأضرار جسيمة لحقت بالقضية وبالمجتمع الفلسطيني. فالهرولة خلف مكاسب حكومية أو فصائلية لن تكون إلا على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته، ولم تعد لغة الشعارات قادرة على استقطاب القواعد كما في السابق.
لقد بدأ الشعب يرى بوضوح حجم الضرر الذي ألحقته حماس بالقضية وبالشعب الفلسطيني. ولو كنت مكان قيادة حماس، لبادرت بالاعتذار للشعب، ولأنفقت أموال الزكاة التي جمعت باسم القضية الفلسطينية على مشاريع حقيقية في غزة، بدل استخدامها في تكريس الولاءات الحزبية. كما أن التوظيف على أساس الانتماء، لا الكفاءة، عمق الانقسام وأضعف المجتمع.
غير أن الحركة، على العكس من ذلك، ما زالت تسعى إلى الحفاظ على هذا النهج، دون أي اعتبار لحجم الأذى المجتمعي الذي تسببت فيه أو للكلفة الوطنية المترتبة عليه.
الأجدر بحماس اليوم أن توقف محلليها عن الظهور الإعلامي، فخطابهم لم يعد يقنع أحدا، بل يكشف ضحالة المنطق والانفصال عن الواقع. ما فعلته الحركة بالقضية وبالشعب أكبر من أن يغطى بالشعارات.
لقد أعدمت معارضيها، وشوهت تاريخ مناضلين، ونفذت إعدامات على شاشات التلفزة، في مشهد لا يقل فداحة عن جرائم الاحتلال. وبعد سنوات من المجازر، يصبح استمرار هذا الخطاب خدمة مجانية لإسرائيل.
إن الحساب طويل، وإذا كانت حماس تريد حدا أدنى من الاستقرار، فعليها أن تصمت، وأن تنكفئ، وأن تفسح المجال لإعادة بناء المشروع الوطني. فاستمرارها بهذا الشكل لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانكشاف، وسيعاملها الشعب يوما ما كما يعامل الاحتلال.
أفول حماس لم يعد مسألة مؤامرة، بل نتيجة مباشرة لأفعالها.
