تغريد سعادة
ما نراه اليوم هو تقليد أعمى حتى في التقييم؛ تمجيد لكل ما له علاقة بإيران، حتى لمحللها الايراني الذي جاء ليدافع عن وجهة نظر ايران في قناة الجزيرة، وبصفقة عقدتها الجزيرة مع طهران لعدم المساس بها. نسمع كل هذه الإشادات بقوة “حضارتها” وأهميتها، وكأن العرب لم يصنعوا يوما التاريخ.
هذه الأصوات التي تزعم أنها تواجه الاحتلال عبر بوابة إيران، تطرح نفسها وكأنها تحمل مشروع تحرير، لكن السؤال البسيط: ماذا فعلت إيران فعليا في مواجهة إسرائيل؟ أين هي معركتها المباشرة؟ وأين هو “الموت لإسرائيل”؟ كيف تتحول هذه المواجهة إلى صراعات مع الدول العربية بدلا من أن تكون مع الاحتلال؟ وإيران نفسها تخشى تجاوز الخط الأحمر المرسوم لها في تعاملها مع إسرائيل، لأنها تدرك أن ذلك سيكون الذريعة المباشرة للقضاء عليها.
ما هذا الحقد لدى البعض على كل شيئ عربي؟ هل أصبح إضعاف الدول العربية امام ايران هو الطريق إلى التحرير؟ أم أن المطلوب هو تفكيك هذه الدول لتبدو إيران وحدها مصدر القوة والخوف في المنطقة؟ كيف يمكن تفسير أن يرتبط إشعال لبنان وإخماده بقرار من إيران، ثم لا يسمى ذلك تبعية أو هيمنة؟ كيف يهون عليكم حال دولكم إلى هذا الحد؟
وفي المقابل، أين دفاعكم عن حضارتنا العربية؟ فالعراق، مهد الحضارات، محي جزء كبير من تاريخه. وسوريا، أحد أقدم مراكز الحضارة، هدمت فيها عشرات المواقع التاريخية. اما غزة، مسحت عن بكرة أبيها، واختفى معها كل أثر للحياة والتاريخ. وفي الضفة الغربية، حيث أقدم مدن في التاريخ، تطمس هويتها يوما بعد يوم.
ومع ذلك، يتم تمجيد حضارة ليست لكم، والدفاع عن فكر يتدخل في دولكم تحت شعار مواجهة الاحتلال. فلماذا لا يكون التحرير بلا تبعية؟ ولماذا لا تلتزمون بنموذج إيران، حيث لا يسمع إلا صوت قيادة الثورة، لا صوت الشعب؟
ما يقال اليوم صادم. هذا التمجيد المبالغ فيه دليل غياب قراءة حقيقية للتاريخ والسياسة. الحقد على دولكم لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تحشيد إعلامي مستمر من الغرب وايران والاحتلال. رأيناه سابقا في سقوط دولنا العربية مثل العراق وليبيا والتي ساهمت ايران نفسها بسقوطها.
ثم يأتي من يقول: “ايران ليس كالعراق” . متناسين ان ايران تعلمت من التجربة العربية، وسيطرت على الشارع. نظام لا يقبل معارضة، ولا يسمح بصوت مختلف، ويهدد بقتل كل من يخرج معارضا، ومع ذلك يتم تجاهل كل حقوق المعارضين واصواتهم، ازدواجية غريبة لان الديموقراطية وحقوق الانسان كانت الشعارات التي هدمت تاريخ بلداننا. ولازالت نفس الفئات تستخدمها.
هذا الصراخ نعرفه جيدا. سمعناه خلال الحرب على غزة، حين كان البعض يهلل بينما تدمر البيوت وتمحى الحياة وتنفذ المجازر بحق شعبنا الفلسطيني. الضجيج لا يصنع وعيا، بل يغطي على الحقائق.
اصمتوا قليلا وفكروا. هذا الضجيج يخدم مصالح اعدائكم ولن يحرر فلسطين، بل يصب في مصلحة قوى تستفيد من انقسامكم الغرب وايران واسرائيل، جميعهم.
أنتم تظنون أنكم تقفون مع إيران، لكنكم في الحقيقة تقفون مع حكم الثورة الإسلامية ضد دولكم، ودون إدراك أن لإيران أهلا، وكثيرا منهم ضد هذا النظام، وأنتم لستم من أهلها.
