تغريد سعادة
في لحظة فارقة من تاريخ القضية الفلسطينية والتي نعيشها الان، بدا وكأن النقاش انحصر في سؤال واحد، هل نقاوم الاحتلال أم لا؟
لكن هذا السؤال، بصيغته المضللة، كان السهم الذي أصاب المجتمع الفلسطيني في عمقه.
هذا المجتمع الذي تأسس، تاريخيا ووجدانيا، على فكرة مقاومة الاحتلال، وعلى أن النضال هو فعلنا اليومي، لا خيار تكتيكي ولا شعار موسمي. على الأقل، هذا ما نشأت عليه، وهذا ما ربيت أولادي عليه.
من خلال قراءة قريبة ومتابعة دقيقة، تبين لي أن التوجه الفطري، وليس الأيديولوجي، للدفاع عن مكتسبات الشعب الفلسطيني، هي السلطة الفلسطينية، وهو ما أصبحت محل تشويه ممنهج ومنذ نشأتها. كتبت عدد من المقالات التي تناولت المؤامرات التي تحيط بها، وحجم الإشاعات التي تضخ ضدها. تعرضت لنقد من قيادات معارضة، لكن معظمهم لم يكلف نفسه عناء البحث أو المتابعة الجدية. وفي كل مرة كنت أقرأ نقدا، كنت أرى فيه مبالغات، وأحيانا كثيرة قصور حقيقي بالمتابعة. وحين حاولت التصويب، كان الرد الجاهز “أنت تدافعين عن سلطة عميلة.” الكثير لا يعلم عن قصور فكر المعارضين والذين لا يكلفون انفسهم عناء البحث. ومن تجربة، هم يعارضون لاجل المنهج المعارض، وليس على اساس حقيقي لسياسات السلطة.
صورة “السلطة العميلة” لم تتكون صدفة في وعي الفلسطينيين، بل صنعت بفعل إعلام موجه، بدأ بإعلام حماس والإخوان المسلمين الضخم، وتكرس عبر منصات كبرى، وعلى رأسها الجزيرة، التي وجدت أصلا لدعم هذا التيار.
وأنا أتنقل بين البرامج السياسية لمتابعة الأحداث على الشاشات والمنصات العربية، أكتشف أن الثابت الوحيد هو الهجوم على السلطة الفلسطينية. أما حماس، فهناك من يعارضها ويعتبرها عدوا، وهناك من يدعمها دعما مطلقا، وهذا التيار هو الأكبر، وبقرار أمريكي طبعا. فالجزيرة، مثلا، لا تبث خارج منظومة الموافقات السياسية، ونحن نعرف جيدا طبيعة العلاقة بين قطر والولايات المتحدة.
أما السلطة الفلسطينية، فقد أصبحت مباحة للجميع منذ تأسيسها. لم يحفظ لها أي اعتبار، بخلاف أنظمة عربية أخرى اعتاد الإعلام ألا يمسها إلا في حالات العداء الصريح.
الإعلام العربي في اغلبه منقسم، اعلام يدعم حماس، مثل قنوات الجزيرة والميادين والعالم وهو بطبيعة الحال ضد السلطة بشكل فاضح. وإعلام ضد حماس والإخوان، لكنه أيضا لا يدعم السلطة، بل يضعها تحت مجهر دائم، من باب حرية الرأي والرأي الاخر.
المفارقة أن إسرائيل تهاجم السلطة علنا وتعمل ضدها، ولا أحد يلتفت لذلك. بل إن قادة هذا النهج المعارض لها يواصلون المسار ذاته. وحين ننتقد حماس، يقال لنا، هذا خطاب الاحتلال والعملاء.
هذا التشويش لا يخرج فقط من الإعلام، بل أيضا من مراكز دراسات يقودها، في معظمها، يسار مرتهن أمريكيا، لا يكتفي بالدفاع عن حماس، بل يقدم نفسه بوصفه صوت “المقاومة”. والقول إن من يدعم حماس هو بالضرورة مفكر أو وطني هو استخفاف بالعقول، واستقطاب لجمهور لا يميز بين الحقيقة والشعار، ولا يرى أبعد من القشرة.
إنها أزمة مضاعفة، ستنكشف لاحقا، للأسف، بعد ضياع الفرص.
أولئك أصبحوا قادة رأي فقط لأنهم مع حماس، بغض النظر عن لا منطقيتهم، أو سطحية خطابهم.
