سجل في القائمة البريدية

Edit Template

بين إيران وإسرائيل: لماذا نحتاج بوصلة عربية؟

تغريد سعادة

أرى أن السجال الدائر في العالم العربي حول سؤال هل نحن مع إيران أم مع إسرائيل وأمريكا؟ هو في حد ذاته سؤال خاطئ. فطرح القضية بهذه الطريقة يضعنا داخل معادلة ضيقة ومضللة، بينما المطلوب في الحقيقة هو تحديد موقف عربي واضح ينطلق من مصالح العالم العربي أولا، لا من الاصطفاف خلف هذا الطرف أو ذاك.

السياسة بطبيعتها معقدة، وهي لعبة تتغير فيها المعطيات والظروف باستمرار، لذلك فإن الوصول إلى موقف واضح يتطلب قراءة دقيقة للتاريخ والسياسات، وليس مجرد ردود فعل عاطفية أو شعارات. وقد لفت انتباهي حديث أحد قيادات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والشعبية صاحبة جذور الفكر القومي، حين طرح تساؤلا حول كيفية قياس المواقف وتحديدها، خاصة بعد أن لاحظ وجود أصوات لا تدعم إيران!

لكن في خضم هذه النقاشات، يبدو أن العنصر الأهم غائب، وهو الوجود العربي الجامع. فالكثير من القوى التي نشأت على خلفيات فكرية قومية عربية، مثل بعض الفصائل الفلسطينية، تراجعت عن هذا الإطار الفكري مع مرور الزمن، وأصبحت تحكمها في كثير من الأحيان اعتبارات البقاء وتلقي الدعم والمساعدات، أكثر مما تحكمها رؤية قومية واضحة.

وعندما ننظر إلى ما جرى في العراق وليبيا وسوريا، أو إلى ما تتعرض له دول الخليج الان من توترات وضربات مرتبطة بالصراع الإقليمي، ندرك أننا نفتقد اليوم إلى مفهوم واضح للعالم العربي أو للعروبة أو حتى لمصالح الدول العربية المشتركة.

العرب ليسوا هامشا في العالم. نحن دول تمتلك موقع جيوسياسي بالغ الأهمية، وموارد طبيعية هائلة، وتاريخا وحضارات عريقة، إضافة إلى ثقل سكاني كبير. هذه العناصر مجتمعة جعلت من العالم العربي مساحة صراع وتنافس بين قوى إقليمية ودولية، سواء كانت تركيا أو إيران أو القوى الغربية. ولهذا أصبحنا هدفا للأطماع والتدخلات.

ومن هنا، ليس صحيحا أن الاختيار صعب بين من نكون معه أو ضده. المشكلة ليست في صعوبة الاختيار، بل في اختزال الصراع في عامل واحد هو إسرائيل وأمريكا، مع تجاهل بقية العوامل. ففي بعض الأحيان قد يكون المتحاربون أنفسهم ضمن قائمة القوى التي تتقاطع مصالحها مع الإضرار بالمنطقة العربية.

ويمكن فهم ذلك بوضوح من خلال قراءة السياسات الإيرانية في المنطقة. فقد شهدت المنطقة حروبا بالوكالة وصراعات طويلة، غالبا ما رفعت شعارات دعم فلسطين، لكن نتائجها على الأرض كانت في كارثية على الشعوب العربية واستقرار دولها.

لذلك فإن مجرد رفع شعار دعم فلسطين لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد لتحديد المواقف السياسية. فالدعم الحقيقي للقضية الفلسطينية يجب أن يكون من خلال مشروع وطني عربي واضح، لا من خلال دعم جماعات مسلحة ذات طابع ديني أو طائفي بعيد عن المشاريع الوطنية العربية.

لقد تعرضت لانتقادات كثيرة قبل اشهر عندما قلت إنني أتابع الحرب الإيرانية الإسرائيلية دون أن أعلن موقفا مؤيدا لايران. لكن هذا الموقف نابع من قناعة بأن المنطقة دفعت ثمن صراعات عديدة جرت باسم فلسطين، بينما كان الثمن الحقيقي تدفعه الشعوب العربية.

أنا عربية فلسطينية، وهذه هويتي وجذوري التي أعتز بها. ومن هذا المنطلق أرى أن الموقف الطبيعي في مثل هذه الصراعات يجب أن ينطلق أولا من المصلحة العربية. فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس: مع من نقف؟ بل كيف نعيد بناء مشروع عربي قادر على حماية مصالح الأمة العربية وتوحيد صفوفها؟

إن التلقائية في الإجابة بأن العدو الوحيد هو إسرائيل، دون قراءة بقية تعقيدات المشهد الإقليمي، هي التي أدخلتنا في متاهات سياسية كثيرة، وأدت إلى تضليل قطاعات واسعة من الرأي العام باسم القضية الفلسطينية.

اليوم نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في مشروع عربي واضح، برنامج سياسي واستراتيجي يجمع العرب حول مصالحهم المشتركة، ويحدد أولوياتهم، ويضع إطارا واقعيا للتعامل مع كل القوى الإقليمية والدولية.

فبدون هذا المشروع، سنبقى أسرى أسئلة خاطئة وسجالات عقيمة، بينما تستمر الصراعات في رسم مستقبل المنطقة من دوننا.

Post Views22 Total Count

تصفح المواضيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ethical Dimensions in the Digital Age

The Internet is becoming the town square for the global village of tomorrow.

الأكثر قراءة

هاشتاغ

عن زيتون نيوز

زيتون نيوز موقع اعلامي صادر عن مركز رام للدراسات العربية. مختص بالشؤون العربية في كندا، بالاضافة الى الاهتمام بأهم القضايا في الوطن العربي. وهو موقع مهني تشرف عليه الصحفية تغريد سعادة التي تعمل في الصحافة لما يزيد عن عقدين من الزمان.
يقع المكتب الرئيسي في مدينة ادمنتون / ألبرتا. ويعمل على تقديم تغطية شاملة، لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب في كندا. 

آخر الأخبار

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

أقسام

 Zaytoun News © 2024

error: Content is protected !!