تغريد سعادة
الحملة التي أعيد إطلاقها مؤخرا باسم الدعوة إلى الإفراج عن القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي من سجون الاحتلال تبدو في جوهرها، أقرب إلى حملة انتخابية للرئاسة منها إلى حملة حقوقية أو نضالية لإنهاء اعتقاله. إذ يجري التركيز على تصويره بوصفه “القيادي الذي سينقذ الوضع الفلسطيني” وعلى أنه يحظى بإجماع شامل، رغم أن المطالبة بالإفراج عنه حق مشروع لكل أسير فلسطيني.
ويلاحظ أن الإعلام، بقصد أو دون قصد، يروج لانطباع أن البرغوثي هو “القائد الفلسطيني الوحيد”، مع أن الشعب الفلسطيني، وأنا من بينهم، يتعاطف مع جميع الأسرى ويعتبرهم رموزا وطنية لا تختزل بشخص واحد. كما أن الإصرار على تقديمه بصورة منفردة يتجاهل حقيقة أنه قيادي في حركة فتح ويحمل فكرها ومبادئها.
ورغم أن بعض التغطيات الإعلامية تظهره كأنه يقف على مسافة من حركة فتح، إلا أن الحركة نفسها تتعامل معه كأحد قياداتها، فهو عضو اللجنة المركزية، وتغطي الحركة نفقات مكتب حملته، في حين كان للسفيرة ليلي الشهيد سفير فلسطين في فرنسا دور كبير في بدايات إطلاق هذه الحملة. وهنا يبرز تناقض واضح بين دعم حركة فتح له من جهة، وبين الخطاب الذي يقدم مروان كأنه القائد الأوحد القادر على قيادة الشعب من دون منازع من جهة أخرى.
ويقول مقبل البرغوثي، شقيق مروان، إن العائلة تطالب بالإفراج عنه، مؤكدا أن مروان، الذي بلغ اليوم 66 عاما، يستحق أن يقضي ما تبقى من حياته بين أحفاده. وبرغم ذلك، تصدر عن الحملة تصريحات تروج لفكرة أنه القائد الفلسطيني القادر منفردا على قيادة الشعب، فيما يلمح آخرون إلى أنه على خلاف مع حركة فتح، رغم أنه ابن الحركة وعضو في مركزيتها.
مدير حملة الافراج عن مروان، أحمد غنيم، وفي بودكاست مع مؤسسة “مريج”، أوضح أن الدخول في انتخابات داخلية في فتح لاختيار مرشحها الرئاسي غير مضمون، وأنه يجب التوافق على مروان كمرشح واحد. مما يثير سؤالا: هل لا يرغب مروان في خوض منافسة داخلية؟ أم أن الأمر يمثل خطوة استباقية من حملته للضغط باتجاه فرضه كمرشح وحيد؟
والسؤال الأبرز هنا هل يمثل أحمد غنيم، الذي يعرف بمعارضته الشرسة لحركة فتح، مروان البرغوثي في مواقفه؟ جدير بالذكر أن غنيم يشغل منصب أمين سر المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي عقد بالدوحة، وتنظر إليه حركة فتح والسلطة على أنه مؤتمر يطرح نفسه كبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية. ومع ذلك، أكد غنيم بنفسه أن له شخصية مستقلة تمثله وقناعاته، وأن حملة مروان البرغوثي لا علاقة مباشرة بمواقفه.
نحن شعب يسعى للديمقراطية في خياراته، والرئيس القادم يجب أن يحظى بشرعية صناديق الاقتراع لا بشرعية حملات إعلامية موجهة تفرض اتجاها واحدا على الناس.
كما يجري الاستناد إلى نتائج استطلاعات رأي للترويج لشعبية البرغوثي، في حين أن مركز خليل الشقاقي، الذي كانت صحف عبرية قد كشفت استغلاله للترويج لحماس، اتهم بتغيير نتائج استطلاعات سابقة لصالح حركة حماس وضد السلطة الفلسطينية مما يعيد النظر بكل نتائج الاستطلاعات. كما ان الادعاء بأن قواعد حماس ستصوت لمروان هو أمر غير واقعي، ونفى مقربون من الحملة ان ثمة اتفاق مع حماس للتصويت لمروان في حال ترشحه للرئاسة.
إن الإفراج عن مروان وعن كل الأسرى هو مطلب شعبي فلسطيني جامع. وعند اعتقاله، كان الهدف من التحقيق معه بحسب ما أكده شقيقه مقبل، هو الوصول للرئيس الراحل ياسر عرفات وادانته في دعم الانتفاضة الثانية. كما أن المحكمة التي حكمت عليه كانت، كما يتابع موفق، محكمة غير شرعية وكان حينها عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني، وهذا هو الأساس الذي يجب أن تبنى عليه أي حملة من أجل إطلاق سراحه.
و حكم على مروان البرغوثي بالسجن خمس مؤبدات وأربعين عاما من قبل محكمة إسرائيلية عام 2004، بعد اعتقاله في رام الله في 15 أبريل 2002. اتهمته إسرائيل بالضلوع في قتل خمسة إسرائيليين والمشاركة في أربع عمليات أخرى، وعضويته في “تنظيم إرهابي”، إضافة إلى تقديم الأسلحة والتمويل والتعليمات لتنفيذ العمليات العسكرية. نفى البرغوثي هذه التهم، مؤكدا أن دوره كان سياسيا بحتا وليس له أي علاقة بالأعمال العسكرية.
لكن ما يجري اليوم هو انزياح الحملة من إطارها الحقوقي إلى إطار انتخابي يتعامل مع مروان كأنه القائد الوحيد القادر على قيادة وانقاذ الشعب. وهذا يسيء لمبدأ المساواة بين الأسرى، ويهمش حق الشعب الفلسطيني في اختيار قيادته عبر صناديق الاقتراع، لا عبر ضغوط سياسية أو إعلامية.
