تغريد سعادة
ساتحدث فلسطينيا، وفي المشهد الثقافي الفلسطيني، ومن خلال حوارات طويلة ومتعددة امتدت على سنوات، كان مرجعي النقدي الأهم دائما هو الناقد الفذ وليد أبو بكر، صاحب المعرفة الواسعة والتجربة الثرية التي اثرت المشهد النقدي الفلسطيني والعربي.
في لحظات كثيرة، حين كانت البوصلة تتوه، وحين كان ضغط الإعلام يدفع باتجاه إبراز أسماء أعرف يقينا أنها لا تستحق هذا التلميع، كنت أعود إليه. كان ملاذي الفكري، ومن خلال أسئلتي له كنت أستعيد ثقتي بأحكامي التي أؤمن بأنها موضوعية، نابعة من قراءة ومعرفة وفهم.
كنت أبحث عن طمأنينة داخلية في وقت اختلط فيه الحابل بالنابل، وتشابكت المصالح، وتقدمت العلاقات الشخصية، بل وأحيانا صار الانتماء السياسي أو الأيديولوجي عاملا حاسما في تقرير مصير الكاتب أو المثقف. والاهم اختفى النقد الحقيقي للادب.
ومن قراءة واسعة للمشهد الثقافي الفلسطيني، أزعم أن اليسار الثقافي يكتب لليسار ويحتفي بأبنائه، ولا يكترث كثيرا بغيرهم. وأزعم أن كلمة “يساري” وحدها كفيلة بأن تجعل الصحف والمواقع تمجد الاسم، بغض النظر عن القيمة الفعلية للنص أو الفكرة. وفي المقابل، فإن أي اسم ذي انتماء مختلف غالبا ما يقصى أو يهمش.
هكذا نالت بعض الأسماء شهرتها، لا بفضل المنجز، بل عبر توظيف العلاقات الشخصية والاصطفافات الأيديولوجية.
“يساري” يعني تلقائيا متحضر، سابق عصره، تنويري. هذه صورة نمطية راسخة منذ زمن، رغم أن تجربة اليسار نفسها، في الواقع السياسي والثقافي، أظهرت إخفاقات واضحة، ولم تستطع تجاوز أزماتها البنيوية. بل إن الربيع العربي كشف انتهازية كثير من خطاباته. وهذا موضوع آخر يستحق نقاشا صريحا ومستفيضا، لا سيما في تأثير الأيديولوجيا على الشخصية والفكر والسلوك الثقافي.
والمشهد الثقافي الفلسطيني اليوم، فهو يعاني أزمات حقيقية، لا تنفصل عن الأزمة العربية والعالمية العامة. نحن لسنا استثناء. غير أن بعض المثقفين استطاعوا، عبر علاقاتهم الشخصية، أو عبر تبني خطاب سياسي معارض للسلطة، أن يحظوا بدعم مكثف، صور على أنه إنجاز فردي خالص، وجوائز مستحقة.
كثيرون لا يدركون ما يجري في الكواليس، كيف تشكل اللجان، ومن يختارها، وما هي توجهات الجهات المانحة، وكيف تفصل الجوائز أحيانا لتصب في مصلحة اتجاه أو توجه بعينه، تقدم للجمهور على أنها الأهم، أو الأكثر حضورا وتأثيرا في الساحة.
أكتب هذا بوصفه وقفة نقدية ومصارحة، لا بنية الإساءة أو التشهير. أحيانا يكون الإعلان عن أزماتنا ضرورة لا بد منها، بحثا عن حل جماعي، وإعادة ترتيب للأولويات. المشكلة الحقيقية تكمن في أولئك الذين يصدرون الأحكام بلا معرفة أو تدقيق، ويقيسون القيمة الثقافية بعدد الجوائز لا بعمق الإسهام.
الثقافة هي العمود الفقري لتشكيل الهوية، وأداة لبناء الواقع الاجتماعي، وصناعة وعي جمعي يسهل التوافق الداخلي. لذلك، في فلسطين نتوه، ولا قدرة لنا على الحوار الثقافي. لقد كانت التدخلات الخارجية في قضيتنا ثقافية بقدر ما كانت سياسية، وأسهمت في تشكيل الوعي الجمعي دون انتباه كاف لحجم الضرر. هذا الضرر هو ما أوصلنا إلى حالة عقم الحوار التي نعيشها اليوم.

1 التعليقات
أنا يساري جدا ولكني في القضايا الإبداعية لا أنحاز إلى يسار أو غيره، وان كنت مقتنعا بأن الكاتب الصادق لا بد وان تكون توجهاته تقدمية، حتى وان أراد ان يحرفها إلى ما دون ذلك. والأمثلة لا تحصى في الأدب العالمي والعربي وكل أدب.