تغريد سعادة
كتبت سابقا مقالا عن فيلم “فلسطين 36″، وأشرت فيه إلى بعض الملاحظات النقدية من باب المهنية، انطلاقا من قناعتي بأن أي عمل فني، مهما كان عظيما، لا يعفى من القراءة والتحليل. لكن ما أتابعه اليوم من بعض الأصوات التي تشكك في الفيلم وتتهمه بالارتهان لصناديق التمويل، أو تلمح إلى أنه صاغ روايته بما يغازل الجهات الداعمة ليصل إلى الأوسكار، يدفعني إلى إعادة التموضع بوضوح وحسم.
هذا الاتهام، في رأيي، ظلم صريح وافتراء لا يستند إلى قراءة موضوعية، بل إلى شك مسبق في كل ما ينجح خارج الأطر التقليدية. أن يقال إن فيلما بحجم “فلسطين 36” كان رهينة التمويل، أو أنه قدم التاريخ الفلسطيني بصورة مخففة أو مكيفة لإرضاء الغرب، هو تجاهل لما ورد فيه من وقائع موثقة في التاريخ الفلسطيني، ومصادرة لحق صانعيه في الاجتهاد الفني. بل ايضا تجاهل للخطوات التي وصل اليها الفيلم للقائمة القصيرة، وهو مرشح دولة فلسطين للاوسكار، خضع للجان فنية وثقافية فلسطينية رفيعة ليتم اقراره.
أنا مخرجة فلسطينية أعيش في الغرب منذ أكثر من عقدين، وأقيم في كندا، وأتنقل بحكم عملي بين كندا وأوروبا. سمعت بنفسي من منتجين ومخرجين وفنانين غربيين إشادات واسعة بالفيلم، ليس من باب المجاملة، بل تقديرا لما أنجزه من اختراق للرواية الإسرائيلية السائدة في الفضاء الثقافي الغربي. كما تابعت ما كتبته الاعلام الغربي عنه. ما فعله الفيلم أنه نقل الرواية الفلسطينية إلى مساحات لم تكن متاحة سابقا، بلغة سينمائية عالية ومهنية مسؤولة. هذا إنجاز لا يستهان به.
النقاش حول التمويل في السينما مشروع، لكن تحويله إلى أداة للتشكيك في صدقية العمل وتاريخه هو انزلاق خطير. كل السينما المستقلة في العالم تخضع لصناديق دعم، وهذا لا يعني بالضرورة خضوعها الأيديولوجي. من وجهة نظري كباحثة في الشؤون الفلسطينية، وصحفية عملت لسنوات في النقد الثقافي، ما جاء في الفيلم يستند إلى سردية موثقة تاريخيا، ويعكس التجربة الفلسطينية بكل تعقيداتها، بسلبياتها وإيجابياتها، بآلامها وأسئلتها.
القول إن اعتماد الفيلم لتمثيل فلسطين في الأوسكار كان نتيجة مساومات تمويلية يتجاوز حدود النقد إلى التشكيك بمهنية لجان رسمية في وزارة الثقافة الفلسطينية. هل يعقل أن تجازف مؤسسة ثقافية وطنية بترشيح فيلم لا يمثل التاريخ الفلسطيني الحقيقي؟ هذا اتهام غير مباشر بعدم المهنية، بل وباللاوطنية، وهو أمر لا يمكن المرور عليه مرور الكرام.
المفارقة أن الفيلم تعرض لهجوم حاد من أوساط يهودية متشددة ومن أصوات داعمة لإسرائيل، وهو ما يؤكد أنه لم يكن مهادنا أو متواطئا كما يدعي البعض، بل على العكس، كان جريئا في طرحه، واضحا في انحيازه للرواية الفلسطينية. وفي الوقت ذاته حظي بإعجاب نقدي واسع ومفاجئ في الصحافة الأجنبية، وهذا دليل على أن الجودة الفنية حين تقترن بوضوح الرسالة قادرة على فرض نفسها.
إن اختراق الرواية الإسرائيلية في أمريكا الشمالية وأوروبا عمل شاق ومعقد، ويحتاج إلى أدوات احترافية، وشجاعة فنية، وذكاء في مخاطبة الجمهور العالمي. “فلسطين 36” فعل ذلك بجدارة. لذلك فإن اختزال هذا الجهد في تهمة “الارتهان للتمويل” ليس نقدا، بل تبسيط مخل، وافتراء كبير لا يحتمل. واستسهال كبير.
كل التقدير للمخرج أن ماري جاسر، وكل الاحترام لهذا العمل الحساس والجميل، الذي أثبت أن السينما الفلسطينية قادرة على أن تكون فنية، عميقة، ووطنية في آن واحد.
