تغريد سعادة
لا يدور الخلاف في العالم العربي اليوم حول مبدأ “المقاومة”، بل حول من يحتكر تعريفها ويوزع صكوك الانتماء إليها. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى إذ جرى خلال السنوات الماضية، اختزال مفهوم المقاومة في تيارات محددة، سواء في اليسار العربي أو الإسلام السياسي، بينما تم إقصاء كل من يختلف معها أو يوجه لها النقد، بل ووصمه بالعمالة أو التخلي عن قضايا الامة.
هذه السردية لم تنشأ في فراغ، بل ساهمت في ترسيخها منظومة إعلامية وفكرية متكاملة، تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية مع خطاب التيارات الأيديولوجية. فوسائل إعلام مثل قناة الميادين التي تدعمها ايران، وأخرى مثل قناة الجزيرة التي تدعم برنامج الاخوان المسلمين، لعبتا دورا محوريا في تكريس صورة نمطية تختزل الفعل المقاوم في جماعات بعينها، وتقدمه باعتباره حكرا على من ينتمي إلى هذا المحور أو ذاك.
بهذا الطرح، اصبح النقاش قائما إما أن تكون ضمن هذا الخط فتصنف “مقاوما”، أو خارجه فتدفع إلى خانة التشكيك والاتهام. هذا التصنيف الحاد لم يفسد النقاش العام فحسب، بل عمق الانقسام داخل المجتمعات العربية، وأنتج حالة من الاستقطاب يصعب معها الوصول إلى قراءة عقلانية ومتوازنة.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت هذه السرديات بيئة خصبة لإعادة إنتاج نفسها، حيث تبناها كثيرون دون تمحيص، حتى باتت تستخدم كقوالب جاهزة لتفسير كل حدث، بغض النظر عن تعقيداته أو تغير معطياته. وأصبح الخطاب الشعبي في كثير من الأحيان امتدادا مباشرا لخطابات إعلامية وأيديولوجية، أكثر منه تعبيرا عن وعي نقدي مستقل.
الأخطر من ذلك هو ازدواجية المعايير التي تتبناها بعض التيارات اليسارية والإسلامية، وهو ما يتجلى بوضوح في أكثر من سياق. ففي الحالة الفلسطينية، يتم توجيه انتقادات حادة ومستمرة إلى السلطة الفلسطينية عند أي ممارسة تعد إخلالا بالمعايير الديمقراطية، بينما يتم في المقابل التغاضي عن ممارسات حركة حماس، حتى عندما تتعلق بقتل او اغتيال معارضيها او اعتقالهم.
ولا يقتصر هذا التناقض على الداخل الفلسطيني، بل يمتد إلى الموقف من إيران. هذا الخلط في المفاهيم والسرديات هو ما أحدث شرخا عميقا داخل المجتمعات العربية، وأسهم في خلق قواعد دعم لفصائل مثل حركة حماس، وفتح المجال أمام تمدد نفوذ إيران في الوعي الشعبي العربي. الأخطر أن بعض الشعوب العربية باتت ترى في الدفاع عن إيران دفاعا عن “شرف الأمة”، و ترتفع الأصوات لتبرر هذا الواقع تحت مظلة “حرية الرأي”.
هذه الحالة لا يمكن وصفها إلا بأنها عمى في البصيرة، وانجرار خلف شعارات عاطفية تغفل الواقع، وتدفع نحو مزيد من الارتباك في الموقف العربي. فالدفاع غير النقدي عن قوى إقليمية لا يخدم القضايا العربية، بل يربك المسار ويعمق الانقسام وعلى قاعدة غير موضوعية، تستفيد منه ايران، التي وضعت نفسها بعد توجيه ضربات لدول الجوار العربي في مصاف العدوة لها. فهل يعقول!!!!
