تغريد سعادة
ارتباطي بغزة لم يكن وليد الحرب الأخيرة بعد السابع من أكتوبر المشؤوم، بل يعود إلى بداياتي الأولى في العمل الصحفي. ورغم أنني لست من غزة، إلا أنها كانت وستبقى جزءا أصيلا من الوطن، ومنها خرجت قيادات سطرت أعظم الحكايات في قضيتنا الوطنية الفلسطينية.
أتذكر زياراتي لفلسطين، ولقاءاتي مع الراحل القيادي في فتح، ومؤسس حركة الشبيبة الفتحاوية أبو علي شاهين الذي عاش في شقة في منطقة المصيون في مدينة رام الله، بعد الانقلاب وانتقاله من قطاع غزة. قال لي انها للقيادي المفصول من فتح محمد دحلان، والذي يعتبره الاخير اباه الروحي. كانت قريبة من مكان اقامتي، وكان يحرص بين الحين والآخر على دعوتي للغداء الذي تعده زوجته، الخالة أم علي. كان يمازحني بأنني نحيفة وأحتاج إلى تغذية. وكان بيته مفتوحا للجميع، كما اعتاد منذ وجوده في العراق وغزة، وكان لافتا أن عددا كبيرا من زواره كانوا من غزة. تلك البقعة التي صنعت شخصيات قريبة من القلب، تجمع بين الفروسية والحنان والشجاعة والوطنية. هكذا ترسخت الكثير من القناعات حول اهلها.
غزة الجريحة، التي تضم نحو 38% من سكان فلسطين، عاشت عزلة طويلة منذ الانقسام، وتعرضت لحروب متتالية تركت آثارا قاسية على نسيجها الاجتماعي. خلال الحرب، كانت روحي تحلق في سمائها التي أعرف شوارعها وحاراتها جيدا.
زرتها كثيرا خلال عملي الصحفي، والتقيت بقيادات من مختلف الاتجاهات. كانت غزة عروسا تطل على البحر، ترتدي ثوبا بسيطا، تقليديا بعض الشيء و محافظ، لكنه جميل وحضاري.
كبرنا على أسماء قيادات عظيمة خرجت من هناك مثل خليل الوزير، ماجد أبو شرار، سعد صايل، حيدر عبد الشافي، وغيرهم كثير.
خلال الأسبوعين الماضيين، تحدثت مع عدد من المثقفين والكتاب والصحفيين والسياسيين في غزة. سألتهم عن حالها، وكان لافتا ذلك التسليم المؤلم بالواقع، وكأن قدرة الإنسان على التحمل بلا حدود. التخفيف من وطأة الفقد والحرمان أصبح المهمة اليومية بعد أن عاشوا ما يشبه الجحيم.
الوضع الإنساني كارثي بكل تفاصيله، الصحية والاجتماعية والغذائية. لا يزال الناس يعيشون في خيام مهترئة مرت عليها فصول السنة، بلا خصوصية، ولا أفق واضح. الأطفال حفاة يلعبون بين الازقة، بلا تعليم منتظم، والمدارس والجامعات تحولت إلى مراكز إيواء. الطوابير لازالت على حالها من اجل الحصول على الماء، والحصول على مساعدات عينية، وحتى لدخول الحمام.
الامن مرتبك، ثمة مجموعات من حماس لازالت تقمع السكان وترتكب مخالفات وتصنع حواجز التفتيش كحواجز الاحتلال، ومجموعات ناقمة على حماس تحاول التدخل لحماية المواطنين، ومجموعة ثالثة صنيعة الاحتلال، تخلط الحابل بالنابل.
الناس مثقلة بالحزن، تبحث عن لقمة العيش في ظل غلاء فاحش، وسوق يفرض منتجات محدودة. غزة التي كانت مشهورة بزراعتها فقدت الكثير من قدرتها الزراعية. وأصبح الكثير من الاهالي في القطاع يعتمدون على التحويلات الخارجية وسيلة للبقاء.
الهاتف المحمول صار نافذتهم الوحيدة إلى العالم، بعد أن فقدت البيوت دفء الحياة اليومية.
غزة لا تزال تنزف وسط حرب مستمرة تسمع أصداؤها كل يوم. غزة التي دفعت أثمانا باهظة من الدم والحياة على مدى عقدين من حكم حماس. غزة التي قال أهلها عنها إنها “جنة الله على الأرض”. اليوم، هي جرح نازف في القلب.
غزة، قطعة من الروح، لم ننساها وسط كل الصخب في العالم، ووسط الحروب في المنطقة.
