سجل في القائمة البريدية

Edit Template

ماذا يعني أن تكون فلسطينيا؟

تغريد سعادة

ليس الحديث هنا استجداء للعطف أو ادعاء للخصوصية، بل هو جزء من التجربة الشخصية، وشعور وجدت من الضروري أن أعبر عنه وأوضحه. ماذا يعني أن تكون فلسطينيا؟

على الصعيد الشخصي، أن تكون فلسطينيا هو ان تحمل فخرا كبيرا لحضارتك ولجذورك التي تنتمي إلى أمة عربية، مسلمة ومسيحية. هو الفخر بأننا أبناء الأرض التي انبثقت منها المسيحية، الأرض المباركة التي حملت رسالتها إلى العالم. وفي الوقت نفسه، هو وعي بأن هذه الأرض عانت ما عانت من الاحتلال، وأن الدفاع عنها والتشبث بها هو واجب وطني والتزام أخلاقي لا ينفصل عن هوية الفلسطيني اليومية.

اما على الصعيد المهني، فان العمل في الصحافة وصناعة الأفلام يجعل من القضية الفلسطينية محورا ثابتا، لأنها تحمل بعدا إنسانيا عميقا. الحديث عن الحرية، وحقوق الإنسان، وما تعنيه حياة الشعوب تحت الاحتلال، ليس موقفا سياسيا بقدر ما هو التزام بقيم العدالة. ورغم محاولات البعض تسييس القضية او وصم الحديث عنها بمعاداة السامية، تبقى الحقيقة واضحة، اننا أمام قضية إنسانية يعاني أهلها منذ 77 عاما من الظلم والحرمان والابادة.

أن تكون فلسطينيا في كندا، تختلف التجربة من مقاطعة إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى. وفي إدمونتون تحديدا، لاحظت خلال السنوات الماضية توسعا في قاعدة التضامن مع فلسطين، بفضل جهود متنوعة من ناشطين يهود ومناصرين للحقوق الفلسطينية، ومن حركات اجتماعية منها مجتمع المثليين، إضافة إلى الحزب الاجتماعي الاشتراكي الذي له حضور واضح في المدينة. بالاضافة الى مناصرين من الحزب الديمقراطي الجديد و الحزب الليبرالي، وبصمت ايضا من حزب المحافظين، والذي يشكل العرب حضورا وازنا فيه رغم كل ما يقال عنه انه داعم لاسرائيل بقوة، ولنا مقال مفصل عن ذلك في قادم الايام.  

ورغم هذا التقدم، يبقى القطاع الفني بعيدا عن هذه التحولات. فخلال العامين الماضيين، ورغم المجازر التي تعرض لها الفلسطينيون، لم أتلق أي دعم اجتماعي من الوسط الفني في المدينة، بينما جاءت رسائل الدعم من خارجها. وفي كل مرة يطرح الحديث عن فلسطين ينظر إليه باعتباره “تسييسا”، وكأن الفن والإعلام خارج السياسة! هذه المسافة خلقت لحظات خيبة، وأحيانا شعورا بأنني لا أنتمي للمكان رغم محبتي العميقة له.

في النقاشات الجانبية مع فنانين غير بيض، يبرز غضب مكتوم تجاه البنية الفنية في ألبرتا. فالمشهد ما زال قائما على أسس تخدم الفئات البيضاء، والسياسات التي أقرت مؤخرا تبدو تجميلية أكثر منها علاجا حقيقيا للمشكلات العميقة. ما زالت المنح تمنح برخصة عقلية بيضاء، والمواضيع تختار وفق تصور أبيض لما هو “مناسب” أو “مفهوم”.

إحدى المشكلات الأساسية أن النظام العام لا يعترف بالتمييز إلا تجاه السكان الأصليين والسود، متجاهلا أشكال التمييز الأخرى التي تطال العرب. وقد واجهت ذلك شخصيا حين تحدثت عن فيلمي “أنا عربي كندي”، الذي يهدف إلى تسليط الضوء على العنصرية التي يتعرض لها العرب في محاولة لبناء مجتمع أكثر صحة وأقل تمييزا.

وايضا كثيرون ممن رووا لي تجارب قاسية رفضوا التحدث عنها علنا أو تقديم شكاوى لأنهم “يعرفون ما سيحدث” ولأنهم يخشون العقاب أو الإقصاء.

حتى بعض الفنانين من ذوي البشرات السمراء يلغون مقابلاتهم الصحفية معي، حين يطرح سؤال عن العنصرية التي يواجهونها، رغم أنهم يشاركون قصصا مؤلمة في الجلسات الخاصة. وهم محقون في جانب، فقد عشت نماذج من هذه التجربة أيضا وافهم تبعات هذا الحديث.

رغم كل الصعوبات والإحساس أحيانا بالحصار، ورغم أن كوني فلسطينية يجعلني “مسيسة” في نظر البعض، فإن دوري كفنانة وصحفية يتطلب التمسك بالعدالة والتحدث عن المشكلات لكي تفهم وتعالج. إن مجتمع إدمونتون، مهما كان معقدا، يستحق أن يرى نفسه بصدق، وأن يسمع القصص التي قد تساعده على أن يصبح أكثر عدلا وإنصافا. وسأستمر في هذا الطريق ما استطعت.

ميلاد مجيد لكم جميعا، من ابنة أرض المسيح فلسطين، الأرض التي انبثقت منها البشارة الأولى.

Post Views68 Total Count

تصفح المواضيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ethical Dimensions in the Digital Age

The Internet is becoming the town square for the global village of tomorrow.

الأكثر قراءة

هاشتاغ

عن زيتون نيوز

زيتون نيوز موقع اعلامي صادر عن مركز رام للدراسات العربية. مختص بالشؤون العربية في كندا، بالاضافة الى الاهتمام بأهم القضايا في الوطن العربي. وهو موقع مهني تشرف عليه الصحفية تغريد سعادة التي تعمل في الصحافة لما يزيد عن عقدين من الزمان.
يقع المكتب الرئيسي في مدينة ادمنتون / ألبرتا. ويعمل على تقديم تغطية شاملة، لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب في كندا. 

آخر الأخبار

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

أقسام

 Zaytoun News © 2024

error: Content is protected !!