تغريد سعادة
الحديث عن سقوط إيران باعتباره نهاية المنطقة العربية هو تبرير بائس للوقوف معها، بعد ما مرت به المنطقة العربية من حروب وانقلابات مدبرة و تآمرية كان لايران دور فيها، بدأت في العراق وانتهت في سوريا. ولم يتبق الكثير من الجيوش العربية الوازنة الا القليل.
ومع تصاعد الحديث عن تراجع إيران، ترتفع أصوات تزعم أن سقوطها يعني سقوط المنطقة العربية. غير أن هذا الطرح لا يعني أبدا أن إيران كانت يوما حامية للديار العربية؛ بل على العكس، كان لها دور بارز في إضعاف المنطقة العربية.
وكما ساهمت في ضرب خاصرة العراق بعد حرب طويلة معه امتدت عقدا من الزمن، لتبدأ بعدها مؤامرة إسقاط العراق وإضعاف جيشه ونهب مقدراته بالشراكة مع الاحتلال الامريكي، رغم أن جيش العراق كان الخطر الأكبر والأقوى بين جيوش المنطقة للاحتلال الاسرائيلي. ومنذ هزيمته بدأت الهزيمة العربية. ومهما كانت المبررات، فإن ما حدث كان سيقع سواء دخل صدام حسين الكويت أم لم يدخل.
الانشغال بهذه التفاصيل سمح باستفراد العراق، فتم نهب تاريخه ونفطه، وتشريد وقتل أهله، في عملية متقنة وصادمة أخرست الألسن، وأفقدت كثيرا من القوى العربية، خصوصا القومية منها بوصلتها. وإيران لم تكن بعيدة عن المشهد في العراق.
كما امتد دور ايران في المنطقة العربية في تقوية حركة حماس، ذات التوجه الإخواني، والتي تلتقي معها في طرح يتجاوز مركزية الدولة. ورغم أن شعار فلسطين يستخدم بشكل كبير منهما، إلا أنه لم يكن بالضرورة الهدف النهائي.
حماس، بدعم إيراني، استطاعت إضعاف السلطة الفلسطينية عسكريا، رغم محدودية تسليح الأخيرة بسبب الاحتلال وشروطه، وتم تهريب الاسلحة الى حركة حماس في غزة تحت أنظار الاحتلال، حيث جرت عمليات التهريب بشكل لافت. وهنا كانت المفارقة الكبرى. هذا السلاح هو الذي حسم قدرة حماس على السيطرة على قطاع غزة ولنحو عقدين من الزمان.
كما لعبت أطراف أخرى، مثل قطر، دورا في دعم حماس ماليا، مما عزز من قوتها على حساب السلطة الفلسطينية صاحبة المشروع الوطني. واستمر الاعتراف بحكم حماس ومحاولات المصالحة بين “فصيلين متحاربين”، وليس بين سلطة شرعية وتنظيم انقلب عليها. كان هذا كله ضمن سياقات معقدة، وكان للسياسة الأمريكية دور فيها، وكل ذلك جاء على حساب المشروع الوطني الفلسطيني.
في المقابل، حرمت السلطة الفلسطينية من الدعم المالي، مما أوصلها إلى حالة صعبة تعانيه الان. وبينما يبرر البعض ان ذلك كان بسبب الفساد، فإن جزءا كبيرا منه مرتبط بمواقفها السياسية، خاصة من صفقة القرن، والتي قطع كل الدعم العربي والاوروبي من حينها بأوامر امريكية بالاضافة الى احتجاز الاحتلال لاموال السلطة الفلسطينية المقاصة، والتي كانت تسدد رواتب موظفيها لسنوات.
ولا ننسى كيف دعمت إيران التغيير في ليبيا، ورحبت بسقوط معمر القذافي، رغم كونه من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية.
أما في سوريا، فرغم الدور الكبير الذي لعبته إيران في دعم نظام بشار الاسد، الا ان تقارير تشير إلى أن هذا الدعم تراجع في مراحل حاسمة، حيث أقرت داخل دوائر إيرانية بأن المعركة كانت خاسرة، وتم إبلاغ القيادة السورية بعدم القدرة على تقديم دعم إضافي. وحاولت القيادة الإيرانية التقليل من أثر هذه الخسارة.
إيران تدخلت في عدة دول عربية، مثل لبنان والكويت وسوريا وفلسطين ودول الخليج، وفي المغرب العربي ايضا، ومع ذلك لا يزال البعض يراها حصنا منيعا، ويتأثر بشعارات مثل “محور المقاومة” دون التعمق في فهم تعقيدات المشهد.
ما نحتاجه اليوم هو فهم أعمق لكل هذه التفاصيل، بعيدا عن الشعارات، للوصول إلى رؤية حقيقية تعيد بناء الموقف العربي وتمنع سقوط ما تبقى من جيوش المنطقة العربية منها مصر والسعودية والجزائر، لعلنا نصلح ما تبقى لنا، وفق الحكمة الشهيرة، أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا.
