تغريد سعادة
نعود إلى الماضي لأنه الملاذ حين يشتد الالتباس، وحين تختلط المعايير وتتزاحم الأصوات. نعود إليه بحثا عن اختبار لما نفكر فيه اليوم، هل ما زلنا على صواب؟ هل ما زالت البوصلة تشير إلى الفن بوصفه قيمة في ذاته، لا تابعا للضجيج؟ في زمن تتقدم فيه الشهرة على الجودة، وتقاس الأعمال بعدد الجوائز أو نسب المشاهدة، يصبح الرجوع إلى نصوص المبدعين الكبار محاولة لإعادة تثبيت المعنى.
من صفحات الأرشيف نقرأ مقالة للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش المنشورة عام 1969 في مجلة “الطليعة” الصادرة في فلسطين، نجد نصا يتجاوز زمنه، ويضع يده على جرح ما زال مفتوحا حتى اليوم. حذر درويش من الإفراط في حب القضية الفلسطينية الذي يعفي النص من المساءلة. قال، “إن الموضوع المطروح على بساط البحث، في آخر المطاف، هو الشعر لا الإخلاص، ولا النوايا الطيبة”. جملة حاسمة، تفصل بين القيمة الأخلاقية والقيمة الفنية، وتعيد الاعتبار لمعيار النقد.
الصدق، في رؤية درويش، هو الركيزة الأساسية لكل إبداع حقيقي. إنه القدرة على العيش داخل الحدث، على التفاعل مع التجربة الفلسطينية بشكل مباشر، لا الاكتفاء برؤيتها من مسافة، وعرضها بطريقة استعراضية بلا تجربة حقيقية. الصدق يمنح النص أو الفيلم أو العمل الأدبي قوة أصيلة، ويخلق تواصلا حقيقيا بين العمل والمتلقي، لأنه ينبع من إدراك حي لما يحدث، ومن شعور متجذر بالمكان والزمان والحدث. من خلاله يمكن للكاتب أو المخرج أو الشاعر أن يتحرك بين الخاص والعام، بين الذات والقضية، ليقدم رؤية تتجاوز المشهد المباشر إلى عمق التجربة الإنسانية. وان شدد درويش على أن الصدق، رغم أهميته، ليس المعيار الوحيد للإبداع.
هذا السؤال يبدو اليوم أكثر إلحاحا، خاصة في ما يتصل بفلسطين. فليس كل نص كتب عنها، ولا كل فيلم تناولها، ينجو تلقائيا من النقد. عدالة القضية لا تعفي من مسؤولية الفن، والانحياز الأخلاقي لا يعوض فقر الرؤية. في زمن المهرجانات المتكاثرة، والاحتفاء السريع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح الخطر مضاعفا بأن يتحول العمل إلى حدث عابر يستهلك في لحظته، بدل أن يكون إضافة حقيقية إلى الوعي الجمالي والإنساني.
لقد تعلمنا، عبر تراكم طويل من القراءة والمشاهدة والمعايشة، أن الإبداع ليس موجة تعاطف، ولا أثر لحظي يولده التصفيق، بل بناء متكامل للفكرة والصورة والإيقاع. وحين نفتقد هذا الوعي، نفقد شيئا من معنى فلسطين في الفن، ونتركها عرضة للاستهلاك الرمزي، إلا ما ندر.
العودة إلى مقالة درويش اليوم هي استعادة لمعيار. معيار يذكرنا بأن الحب الحقيقي للقضية لا يكون بتقديس ما يكتب عنها، بل بإخضاعه لأعلى درجات المساءلة. وأن الصدق، حين يقترن بالوعي الفني الصارم، وحده القادر على أن يحول التجربة الفلسطينية إلى أثر إبداعي يبقى، بعد أن يهدأ التصفيق.
