تغريد سعادة
من المستهجن أن نسمع، على شاشات التلفزة العربية، تصريحات لمحللين يقدمون بوصفهم “خبراء” أو “مديري مراكز دراسات” فلسطينيين، في حين أن معظمهم، إن لم يكن جميعهم، أعضاء في تنظيمات فلسطينية يسارية أو إسلامية، ومعروف موقفهم المعارض المسبق للسلطة الفلسطينية. هؤلاء يشنون هجوما دائما على السلطة، ويتهمونها بالتقصير في مواجهة الاستيطان الإسرائيلي وممارسات الاحتلال، دون أدنى التزام بالموضوعية أو الأمانة الصحفية.
قد لا يعرف المشاهد العادي أن كثيرا من هؤلاء المحللين ليسوا مستقلين، بل ينطلقون من مواقع أيديولوجية وتنظيمية واضحة، مما يجعل التحليل الذي يقدمونه أقرب إلى موقف سياسي معارض، لا إلى قراءة مبنية على معلومات ومعرفة دقيقة. ومن باب الإنصاف، لا بد من الإشارة إلى أن إحدى القنوات العربية استضافت مؤخرا باحثا من مركز بحثي تابع للسلطة الفلسطينية، وكان ذلك تطورا إيجابيا، لأن هذا الصوت غالبا ما يكون مكتوم رغم قربه من دوائر القرار، مما يتيح له معلومات ومعطيات أساسية لأي تحليل جاد.
التحليل الحقيقي لا يعني الصراخ، ولا الاكتفاء بالوصف أو المعارضة الدائمة، بل يقوم على المعلومات، واستقراء الوقائع، وتقديم فهم عميق لما يجري، لا التشويش على وعي الناس كما يحدث اليوم.
لنأخذ ملف الاستيطان مثالا. ما قامت به السلطة الفلسطينية على المستوى السياسي والدبلوماسي، من متابعات في الأمم المتحدة، واستصدار قرارات وقوانين دولية تثبت أن الضفة الغربية أرض فلسطينية محتلة، وأنها جزء من الاراضي التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية، هو جهد لا يمكن إنكاره أو القفز عنه. الاعتراف بهذه الجهود واجب أخلاقي وسياسي.
أما على الأرض، فمن غير المنطقي أن يخرج عضو في تنظيم يساري او اسلامي لاتهام السلطة بأنها “سهلت” توسيع الاستيطان، في حين أن الاستيطان فعل احتلالي فاجر، يتجاوز كل القوانين الدولية، ويضرب عرض الحائط الضغوط الأوروبية والدولية. السؤال المنطقي هنا، أين دور اليسار؟ هل وضع خطة عملية لمواجهة الاستيطان وتم رفضها؟ هل قدمت التنظيمات أو المؤسسات غير الحكومية، التي تتلقى دعم أوروبي، استراتيجيات ميدانية ولم يستجب لها؟
هذا الخلط المتعمد يهدف إلى ترسيخ صورة مضللة لدى الفلسطينيين بأن السلطة لا تقوم بواجبها، في حين يتم تجاهل كل ما تنفذه سياسيا ودبلوماسيا. الإنكار هنا ليس معارضة، بل تضليل، وهو جوهر المشكلة.
الأصوات المرتفعة اليوم تستفيد من حالة التيه العام، لكنها مطالبة أيضا بأن تجيب، ماذا تفعلون أنتم على الأرض؟ ما هو دور المنظمات غير الحكومية التي وجدت أصلا لنقد السلطة؟ أين خططكم؟ أين استراتيجياتكم؟ هذا الضجيج، وهذا الانتقاص المستمر مما تقوم به السلطة، لن يخفي عيوبكم ولا تقصيركم. وكثيرون من رموز اليسار، للأسف، لديهم ملفات فساد معروفة، لكنهم يخرجون للاعلام بعباءة “الوطني المخلص”.
أنتظر، كما ينتظر كثيرون، إقرار قانون الأحزاب وقوانين وزارة الداخلية، لضبط حالة الفلتان التي لا يدركها الفلسطيني العادي، ولا يعلم شيئا عن حجم الأموال التي تتلقاها شخصيات وتنظيمات فلسطينية باسم “النضال” و”المقاومة”. في أي دولة في العالم، يحاسب من يتلقى أموالا دون رقابة أو أطر قانونية، وتعتبر هذه أموالا غير مشروعة تفضي إلى المحاسبة والسجن.
المفارقة أن بعض من يطالبون اليوم بالانتخابات، هم أنفسهم متورطون في الفساد، ويتربعون على رأس منظمات غير أهلية منذ عقود لضمان استمرار الربح والتكسب. هذه ملفات يجب فتحها بجرأة، إذا أردنا إصلاحا حقيقيا، وكشفا للحقائق بعيدا عن الشعارات.
أما حركة حماس، التي دأبت على اتهام السلطة بالفساد، فهي نفسها تجمع البلايين وليس الملايين، باسم الشعب، وتحتفظ بها لنفسها، ثم تترك الشعب وحيدا في العراء، رغم أنها كانت سببا مباشرا في ما تعرض له من عقاب جماعي وحروب مدمرة في غزة.
الإنصاف ليس دفاعا أعمى، والمعارضة ليست صراخا دائما، بل مواجهة النفس اولا. وما نحتاجه اليوم هو مساءلة الجميع، بلا استثناء، على أساس الفعل، لا الشعارات.
