رام الله – زيتون نيوز
غيب الموت اليوم الممثل والمخرج الفلسطيني القدير محمد بكري عن عمر ناهز 72 عاما، بعد مسيرة فنية حافلة بالإنجازات، كان خلالها أحد أبرز الأسماء في السينما والمسرح الفلسطيني، وترك بصمة لا تمحى في المشهدين العربي والدولي عبر عشرات الأعمال التي شارك من خلال التمثيل والاخراج والانتاج، مجسدا من خلالها الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والإقصاء.
وتوفي بكري في مستشفى نهاريا في أراضي عام 1948، بعد معاناة مع مرض القلب، وفق ما أفادت به أسرته، وذلك عقب تدهور وضعه الصحي خلال الأيام الأخيرة، ليرحل عن عالمنا اليوم تاركا إرثا فنيا وإنسانيا كبيرا.
وخلال مسيرته، لم يكن محمد بكري فنانا تقليديا، بل مثقفا ملتزما بقضية شعبه، استخدم المسرح والسينما كأدوات شهادة ومقاومة، فنقل معاناة الفلسطينيين إلى المنصات العالمية، غير آبه بالضغوط أو الملاحقات. وقد لاحقته السلطات الإسرائيلية لسنوات طويلة، أُجبر خلالها على خوض محاكمات عديدة بسبب مواقفه وأعماله الفنية، ولا سيما الملاحقات المطولة التي تعرض لها على خلفية فيلمه الوثائقي الشهير “جنين جنين”، الذي وثق شهادات حية من داخل مخيم جنين عقب اجتياحه.
وأكد بكري مرارا تمسكه بمواصلة مسيرته الفنية، وعزمه الاستمرار في نقل الاضطهاد الذي يواجهه الشعب الفلسطيني إلى العالم، رافضا الانصياع لمحاولات إسكات الصوت الفلسطيني. وسبق أن قال في تعقيبه على قرار المحكمة بمنع عرض فيلمه إنه “غير نادم على شيء، ولو عاد الزمان بي إلى الوراء لكنت سأعيد تصوير الفيلم لفضح الجرائم غير الإنسانية التي ارتكبها جيش الاحتلال في اجتياحه لمخيم جنين البطل”. وأضاف أن “محاولة اعتماد المحكمة على اتهام شهادات شهود العيان من سكان المخيم بأنها مفبركة، هو ذر للرماد في العيون، لأنني كفنان لم أتدخل في مضمون الشهادات أو توجيهها، وهذه هي الحقيقة التي لا يريد الاحتلال سماعها لأنها تفضح جرائمه”.
ولد محمد بكري في قرية البعنة في الجليل، ودرس في مدارسها قبل أن يلتحق بثانوية عكا، ثم تابع دراسته الجامعية في جامعة تل أبيب عام 1973، حيث تخصص في الأدب العربي والمسرح، وتخرج بعد ثلاث سنوات. تميز منذ بداياته بحب عميق للتمثيل والثقافة، وشارك في مشاريع فنية في بلدان عدة، من بينها هولندا وبلجيكا وفرنسا وكندا، ما منحه حضور دولي لافت.
انطلقت مسيرته المسرحية من خلال عرض “مشهد من الجسر” للكاتب آرثر ميلر، ثم واصل حضوره في أعمال مسرحية محلية بارزة، إلى جانب مشاركاته السينمائية المهمة في أفلام مثل “وراء القضبان”، و“حيفا”، و“برايفت”، و“تحت أقدام النساء”، حيث عرف بأدائه العميق وقدرته على تجسيد الشخصيات المركبة المرتبطة بالهوية والذاكرة والاقتلاع.
وترك محمد بكري خلفه زوجته ليلى وستة أبناء، من بينهم آدم وزياد وصالح الذين واصلوا العمل في مجال التمثيل، ليشكلوا امتدادا لمسيرة فنية وثقافية مميزة، لعائلة أصبحت علامة فارقة في المشهد الثقافي الفلسطيني، وليبقى اسم محمد بكري حاضرا بوصفه فنانا لم يفصل يومًا بين الإبداع والموقف.
