تغريد سعادة
تشهد مقاطعة ألبرتا الكندية، المعروفة بأنها “مقاطعة النفط” والقلعة التقليدية للمحافظين، لحظة سياسية غير مسبوقة منذ عقود، بعد أن أصبحت رئيسة الوزراء دانيل سميث وعدد كبير من وزرائها هدفا لعريضة رسمية لسحب الثقة منهم. هذه الخطوة نادرة في تاريخ المقاطعة الحديث، وتعكس مستوى متقدما من الاستياء الشعبي تجاه أداء الحكومة وسياساتها خلال الفترة الأخيرة.
تستهدف العريضة رئيسة الحكومة في دائرتها بروكس – ميديسن هات، وتتطلب جمع أكثر من 12 ألف توقيع خلال 90 يوما حتى تصبح صالحة قانونيا.
ورغم أن هذه الآلية متاحة ضمن قوانين المقاطعة، فإنها لم تستخدم من قبل بهذا الشكل ضد رئيس حكومة، مما يجعلها سابقة سياسية لافتة في ألبرتا.
العريضة لا تطال سميث وحدها، بل تمتد إلى قائمة طويلة من الوزراء والنواب، في مؤشر على تصاعد حالة الغضب داخل عدد من الدوائر الانتخابية التي تشعر بأن ممثليها من الحزب المحافظ لم يؤدوا واجباتهم كما ينبغي. وتتضمن القائمة وزير التعليم ديميتريوس نيكولايدس، ووزير التعليم المتقدم مايلز ماكدوجال، ووزير الهجرة والتعددية الثقافية محمد ياسين، ووزيرة العلاقات مع السكان الأصليين راجان سواهني، ووزير الزراعة آر جي سيغوردسون، ووزير خدمات ألبيرتا ديل نالي، ووزير المرافق ناثان نويدورف، ووزير شؤون الأطفال والعائلات سييرل تورون، ووزير التكنولوجيا والابتكار نيت غلوبيش، ووزيرة الصحة الأولية أدريانا لاجرانج، ووزيرة البيئة ريبيكا شولز، ووزيرة الفنون والثقافة ووضع المرأة تانيا فير. كما تشمل القائمة نوابا وهم أنجيلا بيت، ونولان ديك، وريك ماكآيفر، وجايسون ستيفان، وجاكي لوفلي، وغلين فان ديجين، وبيتر سينغ، إضافة إلى النائبة المعارضة أماندا تشابمان.
تأتي هذه الحملة في ظل اتهامات موجهة إلى حكومة سميث باتباع سياسات مثيرة للجدل، أبرزها إعلان نيتها استخدام بند “باستثناء الدستور”، وهو قرار أثار معارضة داخلية وخارجية اعتبرت أنه يخرق الأعراف الدستورية في كندا.
و بند “باستثناء الدستور” هو مادة في الميثاق الكندي تسمح للحكومات بتجاوز بعض الحقوق والحريات الأساسية بشكل مؤقت لمدة تصل إلى خمس سنوات. وضع هذا البند ليمنح الحكومات مساحة لتمرير قوانين قد ترى أنها ضرورية حتى لو اعتبرت المحاكم أنها تتعارض مع بعض الحقوق مثل حرية التعبير أو المساواة، لكنه لا يسمح بتجاوز الحقوق السياسية أو اللغوية. ويعد هذا البند مثيرا للجدل لأنه يمنح الحكومة سلطة كبيرة للحد من حقوق الأفراد، لذلك نادرا ما تلجأ إليه الحكومات، وينظر إلى التفكير في استخدامه عادة كإشارة إلى أن الحكومة ترغب في تمرير قوانين قد لا تصمد أمام الرقابة القضائية.
كما يتصاعد الاستياء من أوضاع الخدمات الأساسية في مقاطعة ألبرتا، خصوصا في قطاعي الصحة والتعليم؛ حيث تعاني المستشفيات من اكتظاظ ونقص في الكوادر، فيما تواجه المدارس ضغوطا على التمويل وتوزيع الموارد. وتفاقم الغضب كذلك بسبب الجدل المتعلق بتغييرات في قواعد الإفصاح عن النفقات الحكومية، مما عزز الشكوك حول شفافية الحكومة.
تكشف هذه التطورات عن تحول ملحوظ في علاقة المواطنين بممثليهم، حيث أصبح جزء من سكان ألبرتا أكثر استعدادا لاستخدام الأدوات القانونية للمحاسبة والمساءلة. ورغم أن نجاح العرائض يتطلب نسبا عالية من التوقيعات وقد لا تصل جميعها إلى خط النهاية، فإن مجرد إطلاقها بهذا الحجم يمثل رسالة سياسية قوية للحزب الحاكم . وفي حال نجحت أي عريضة، ستجرى عملية تصويت محلية، وإذا صوت الناخبون لصالح الإقالة، يفقد العضو مقعده وتجرى انتخابات فرعية جديدة، وقد يفتح ذلك المجال لتداعيات أوسع على الحكومة وربما يؤدي إلى انتخابات عامة مبكرة.
تجد حكومة سميث نفسها اليوم أمام مواجهة سياسية غير معهودة، إذ يتزامن الضغط الشعبي المتنامي مع انقسامات داخل حزب المحافظين المتحد نفسه. وبغض النظر عن النتائج النهائية لهذه العرائض، فإن اللحظة الراهنة تشير إلى تحول سياسي واجتماعي أوسع قد يعيد رسم المشهد السياسي في المقاطعة التي لطالما عرفت بتاريخ طويل من هيمنة الحزب المحافظ.
