تغريد سعادة
الجهل السياسي هو نقص المعرفة أو الفهم بالقضايا السياسية والأحداث الجارية. ومع تغير الظروف وتبدل المواقف، فإن عدم المتابعة الجدية والدقيقة لما يحدث، والاعتماد على الشائعات والأخبار المزيفة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يخلق وعيا صلبا يصعب اختراقه. وهذا هو وصف الواقع الفلسطيني اليوم، وما نلمسه حتى لدى من يدعون الانتماء إلى الطبقة المثقفة.
كثيرون من هؤلاء منخرطون في الأحزاب والسياسة واساتذة جامعة وحتى اعلاميين، لكن مواقفهم لم تتغير رغم التحولات العميقة والاستحداثات التي فرضتها الوقائع. وكأن السياسة أصبحت موقفا جامدا لا علاقة له بقراءة الواقع أو المصلحة الوطنية.
في الحالة الفلسطينية، يبقى الثابت أن الاحتلال هو العدو. لكن في الساحة الداخلية، تعصف بالقضية الفلسطينية متغيرات خطيرة، ولا يمكن الاستمرار في النظر إليها بعقلية ثابتة أو شعارات جاهزة. فوجود سلطة من جهة، و”مقاومة” من جهة أخرى، خلق حالة تناقض حاد تحولت إلى صراع داخلي، دون التوقف عند جوهر المسألة أو محقية الموقف الوطني الأشمل.
حركة حماس، التي نفذت الانقسام، صنعت حالة انقسام عميق في الشارع الفلسطيني، واعتمدت على قوة إعلامية هائلة، في مقدمتها قناة الجزيرة وشبكة واسعة من المنصات الممولة، وذات الارتباط المالي والتنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين. هذا الخطاب الإعلامي المكثف رسخ رواية واحدة، حماس هي “المقاومة”، ونقيضها السلطة الفلسطينية “العميلة”، دون أي مساحة للنقاش أو التفكيك أو التمييز بين النقد المشروع والتضليل السياسي.
وهنا لا يأتي النقد دفاعا عن السلطة، بل دفاعا عن الحقيقة، وعن المصلحة الوطنية التي تتطلب الحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني. يساهم في هذا التشويه كل من لم يستفد من السلطة فيحولها إلى عدو، او من انتهى نفعيته من السلطة، أو من انساق خلف سيل الشائعات دون تمحيص، مع تضخيم أخطاء السلطة وتجاهل السياق العام، في ظل غياب شبه تام لأي رواية مضادة أو خطاب عقلاني يضع الأمور في ميزانها الحقيقي.
حين يقول د. رشيد الخالدي، في أحد البودكاستات، ان السلطة الفلسطينية بأنها “تقبض من الاحتلال”، وهو توصيف مغلوط وخطير، فإننا لا نكون أمام وجهة نظر، بل أمام ترسيخ لشائعة باعتبارها حقيقة غير قابلة للنقاش. الأخطر أن هذا جاء ردا على سؤال المضيفة يفترض أصلا أن السلطة “عميلة من الباطن لاسرائيل”، ليبنى النقاش كله على فرضية خاطئة. هذا مثال واضح على كيفية تحويل الشائعة إلى “حقيقة سياسية” محصنة ضد الجدل.
ما نشهده اليوم هو شكل من أشكال الغباء السياسي الذي يلقي بظلاله على المشهد العام الفلسطيني، ضبابية وغياب وضوح المصلحة الفلسطينية، ودوران في حلقات مفرغة، واتباع الخطاب الأعلى صوتا لا الأكثر صدقا، حتى لو كان ذلك على حساب القضية الفلسطينية نفسها.
التلويح بأن “حماس جزء من الشعب ويجب استيعابها”، في الوقت الذي يعلن فيه رئيس مكتبها السياسي في الخارج، خالد مشعل، قبوله العلني بحكم غزة بالانفصال عن الضفة، ويقر بذلك بادعاء ان الاحتلال يرفض ذلك. ويعرض قبوله على الاحتلال ويطلب من الأميركيين الاستماع له، هو دعوة صريحة للانفصال، تماما كما حدث منذ عام 2007. ومع ذلك، يلتزم اليسار الصمت، كما تلتزم قواعد حماس، سواء العلمانية أو الدينية الصمت المريب.
اليوم، تعرض حماس الطاعة، وتقبل بتجميد السلاح وكل ما يلزم مقابل حكم غزة، في سياق بات واضحا أنه توافق مبكر منذ وقف الحرب على غزة. وكان سلوكها بالحكم بالنار والحديد منذ اللحظة الاولي، وتنفيذ اعدامات لكل من يخالفها بادعاء عمالته، يشي بالاستعداد لحكم غزة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة الأرض والمشروع الوطني.
ورغم كل ما أوصلت إليه القضية الفلسطينية خلال عقدين من الانقسام، ومنع قيام الدولة، لا يزال البعض، حتى في رام الله، يدافع عن حركة احتكرت القضية لمصلحتها لا لمصلحة الشعب، مستندة إلى إعلام سخي، ودعم خارجي لجماعة الاخوان التي خسرت الساحتين المصر ية والأردنية، لكنها ما زالت متمسكة بالمشهد الفلسطيني.
هذا الخطر لا يناقش كما يجب، ولا يواجه بالجدية المطلوبة. والسبب هو الجهل السياسي الذي تغذيه وسائل التواصل الاجتماعي، ويعيد إنتاجه مثقفون وأكاديميون، حتى في الجامعات. لم تعد المسألة انقساما بين متعلمين وأميين، بل أصبحت الأمية السياسية ظاهرة واسعة تعيق أي حوار عقلاني.
نحن أمام استقطاب حاد، “مع أو ضد”، تشكله الدعاية لا الوعي، والشائعة لا الحقيقة. وهذا ما يجعل أي تقدم داخلي فلسطيني اليوم للاسف شديد الصعوبة، إن لم يكن مستعصيا كما ألمسه من حوارات مباشرة اجريتها مع ممن نطلق عليهم الطبقة المثقفة !!!!!!
