سجل في القائمة البريدية

Edit Template

فتح تحت المجهر: بين النقد المشروع والتجريح السياسي

تغريد سعادة

كثرت في الاونة الأخيرة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التقييمات والكتابات التي تنتقد الدور التاريخي لحركة فتح. وغالبية هذا النقد يتهم الحركة بالاستسلام او الفساد، دون الاستناد إلى أدلة علمية أو منهجية بحثية رصينة، ودون الابتعاد عن الانفعال والعاطفة التي تطغى على كثير من هذه الكتابات.

قد يدعي كاتب المقال أو المنشور الغيرة على الحركة، غير أن معظم هذه الانتقادات لا تقوم على بحث علمي دقيق، وتحديدا عندما تصدر عن بعض المحسوبين على اليسار، ممن يعرفون أنفسهم كباحثين في مراكز دراسات أو كأساتذة جامعات.

وحركة فتح، على امتداد تاريخها، لم تحظ يوما بحماية سياسية منظمة كما هو حال بعض الأنظمة العربية، بل كانت جماهيريتها هي الدرع الحقيقي لها. كما وجدت نفسها دائما في قلب المعركة الإعلامية. غير أن هذه المواجهة تصاعدت بشكل غير مسبوق مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وصعود الإعلام الإلكتروني، واتساع القنوات التلفزيونية التي تبنت برامج سياسية مناوئة لها، كما هو الحال في بعض تغطيات قناة الجزيرة، أو عبر منصات إعلامية بات يدعمها فتحاويون معارضون للرئيس محمود عباس.

وفي المقابل، لم تؤسس حركة فتح قنوات دفاع إعلامي فاعلة، وتركت هذا المجال لسنوات طويلة دون تنظيم أو استراتيجية واضحة، الأمر الذي أرهقها على مدار الزمن ووضعها باستمرار تحت الضوء. ونتيجة لذلك، اختلط الحابل بالنابل، ولم يعد من السهل التمييز بين الإشاعة والحقيقة، ولا بين النقد الموضوعي والتجريح السياسي.

السياسة بطبيعتها متغيرة، ولذلك يصبح من الضروري النظر إلى مجمل المعطيات الموضوعية المحيطة بكل مرحلة. فعندما نتحدث عن أوسلو، أو عن الانتفاضة الثانية، أو عن مرحلة ما بعد الرئيس الراحل ياسر عرفات، لا يمكن تناول هذه المحطات وفق المزاج أو العاطفة، بل من خلال قراءة دقيقة للظروف، ولما كان ممكنا ومتاحا انذاك، بعيدا عن الشعارات الثورية والعاطفية التي غلفت الكثير من النقد اللاحق.

النقد، في جوهره، عملية متحركة وقابلة للتطوير والتغيير ووفقا لمناهج محددة، كما أن الحلول السياسية لم تكن يوما ثابتة، بل كانت تتغير بوتيرة عالية تبعا للواقع. غير أن التركيز على الشعارات كما فعلت قوى يسارية أو إسلامية، أو حتى بعض المعارضين من داخل فتح نفسها جعل الخطاب السياسي يطغى عليه الهتاف بدل الحلول العملية والواقعية التي تخدم القضية فعليا.

ومن خلال متابعة هذا النقد المتصاعد، يبدو وكأن كل الخلل محصور في حركة فتح وحدها. وموضوعيا، نعم، هناك خلل، لكنه خلل تتحمل مسؤوليته مجمل القوى الفلسطينية. فهناك نبرات عالية تمنع نقد حركة حماس، ويتم تغليفها باعتبارها “المقاومة الوحيدة”، دون الالتفات إلى العقد الاجتماعي الفلسطيني، الذي آمن تاريخيا بالمسيرات الشعبية والاحتجاجات، وبأشكال نضالية لا تقوم بالضرورة على الكفاح المسلح وحده.

كما أن النضال مسيرة طويلة تتطلب صبرا واستمرارية. وفي مراحل كثيرة من تاريخنا، كنا نقول إن البقاء على الأرض بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة الكبرى.

من هنا، أدعو إلى التريث، وإلى عقد مؤتمر فلسطيني داخلي يدعى إليه المثقفون والإعلاميون والسياسيون، لفتح نقاش معمق ومسؤول. فاستمرار النقد غير الموضوعي، دون قراءة حقيقية لمعطيات الواقع، يشبه النفخ في قربة مثقوبة. والأخطر أن بعض المثقفين والناقدين يعتقدون أنهم أدوا ما عليهم، دون إدراك أنهم لم يقرأوا الواقع كما هو، وأنهم ساهموا- عن قصد أو دون قصد – في إرباك الوعي الجماهيري.

بهذا النهج، سنبقى في الخلف، وربما أبعد من المكان الذي نظن أننا نقف عنده.

Post Views35 Total Count

تصفح المواضيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ethical Dimensions in the Digital Age

The Internet is becoming the town square for the global village of tomorrow.

الأكثر قراءة

هاشتاغ

عن زيتون نيوز

زيتون نيوز موقع اعلامي صادر عن مركز رام للدراسات العربية. مختص بالشؤون العربية في كندا، بالاضافة الى الاهتمام بأهم القضايا في الوطن العربي. وهو موقع مهني تشرف عليه الصحفية تغريد سعادة التي تعمل في الصحافة لما يزيد عن عقدين من الزمان.
يقع المكتب الرئيسي في مدينة ادمنتون / ألبرتا. ويعمل على تقديم تغطية شاملة، لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب في كندا. 

آخر الأخبار

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

أقسام

 Zaytoun News © 2024

error: Content is protected !!