سجل في القائمة البريدية

Edit Template

“الست”: فيلم يراهن على الأيقونة ويخفق في فهمها

تغريد سعادة

كانت مشاهدة فيلم “الست” تجربة مرهقة إلى حد كبير، لا بسبب ثقل الموضوع، بل نتيجة سلسلة من الاختيارات الإخراجية والتمثيلية التي أضعفت العمل منذ بدايته، وقلصت كثيرا من إمكانية الاستمتاع به.

أولى الإشكاليات تتمثل في المقدمة الطويلة بلا ضرورة درامية، التي لم تضف اي عمق حقيقي للشخصية، بقدر ما استنزفت صبر المشاهد. وكان هناك اللقطات السريعة والمزدحمة التي لم نفهم تكرارها.

أما اختيار منى زكي لتجسيد شخصية أم كلثوم، فيعد خلل جوهري في بنية الفيلم. فالدور يحتاج إلى رزانة وثقل واتزان، صفات لا تستعار، بل تجسد عبر الملامح والجسد و الصوت والنظرات، وطريقة الجلوس. منى زكي، بملامحها وأدائها ونبرتها، بعيدة كل البعد عن روح أم كلثوم، والادعاء بأنها استحضرت روحها كما قرأنا في عدد من المقالات لا يصمد أمام أي مقارنة بصرية أو أدائية جادة.

الرزانة ليست فكرة ذهنية، بل لغة جسد متكاملة، احتشام، ثبات، قلة في الحركة، وهيبة لا تفتعل. اما اللعب بالحواجب، والحديث من طرف الفم والنظرات المسروقة، الضحك الهستيري، وإخراج اللسان، كلها سلوكيات تتناقض تماما مع صورة المرأة القوية الرزينة بالمطلق، فكيف التي مثلتها أم كلثوم.

ويزداد التناقض فجاجة حين تعرض صور أم كلثوم الحقيقية داخل الفيلم، لتتداخل مع صور منى زكي، دون أن تنجح الممثلة في تقليد أداء واحد أو نظرة واحدة منها. هنا لا نتحدث عن عدم تطابق فقط، بل عن غياب فهم جوهري للشخصية.

إخراجيا، يعاني الفيلم من غياب الرؤية الخاصة. في السينما، من الطبيعي أن يستند المخرج إلى مرجع أو عمل سابق، لكن ليس سرا أن فيلم لا في آن روز La Vie en Rose والذي يجسد حياة المطربة الفرنسية الشهيرة إديث بياف، كان المرجع الأساسي هنا، في محاولة لإلباسه على سيرة أم كلثوم. ما نراه ليس إعادة إنتاج إبداعية، بل تقليد واضح للبداية والأسلوب. هذا التحدي بدا أكبر من مروان حامد، وفشل في تجاوزه. حتى اختيار واقعة المسرح كمدخل لاسترجاع طفولة أم كلثوم ولم يستثمر بشكل درامي صحيح لانها ليست علامة فارقة في حياتها، رغم أن النكسة كانت لحظة محورية في التاريخ العربي، ولأم كلثوم دور معروف في دعم الجيش المصري خلالها.

ولا يمكن فصل هذا التقييم عن السياق العام لمسيرة المخرج. فمروان حامد جاء من موقع مريح، وحصل على فرص لم تتح لغيره، بوصفه نجل السيناريست وحيد حامد، رفيق درب الفنان عادل إمام. وبغض النظر عن التهويل الذي رافق فيلم “عمارة يعقوبيان” أولى تجاربه، فهذا لا يمنح المخرج حصانة نقدية. أما فيلمه “كيره والجن” فكان عمل تجاري لا يختلف كثيرا عن أفلام السوق، ولم يقدم تميز إخراجي خاص، باستثناء اعتماده على أسماء نجومية مثل الفنان أحمد عز.

الحديث المتكرر عن “الصورة المبهرة ذات المستوى العالمي” يبدو مضللا. ففي عصر التكنولوجيا الحديثة، باتت الصورة الجميلة مسألة إمكانات وطاقم تقني محترف أكثر مما هي رؤية إخراجية. الإضاءة الغامقة المبالغ فيها بدت محاولة سطحية لاستدعاء أجواء الأبيض والأسود، دون وعي جمالي حقيقي او على الاقل مفهوم .

الأداء الصوتي لمنى زكي يعاني بدوره من خلل واضح؛ فمن غير المفهوم كيف يسمح مخرج متمرس بلفظ وحوار بهذه الرداءة.

الأكثر استفزازا هو تقديم شخصية أم كلثوم في مراحل عمرية مختلفة، تؤديها منى زكي نفسها، وكأن المخرج يراها “معجزة” بلا منطق بصري أو نفسي. منى زكي صغيرة الحجم وليس العمر، وهو أمر بدا واضحا على الشاشة بشكل أربك المصداقية.

أما مشاهدها أمام الملكة نازلي و فريال بنت شمس الدين باشا (قامتا بالدور نيلي كريم و أمينة خليل)، فجاءت مرتبكة ومفتعلة، وتفتقر إلى لغة الجسد التي نعرف بها امرأة قوية لا تهاب أحدا. من المستحيل تصديق أن هذا الأداء يمكن أن يجسد علاقة أم كلثوم بنساء السلطة. والأكثر غرابة هو نسب اهتمام ام كلثوم في الموضة إلى شخصية فريال والادعاء بأنها وراء حمل أم كلثوم للمنديل، في إسقاط واضح لحق أدبي وتاريخي لامرأة عرفت بالأناقة والهيبة، وابتكرت نمطها الخاص الذي أصبح أيقونيا.

يعاني فيلم “الست” من سوء اختيار الممثلة، ضعف الرؤية الإخراجية، والخلط بين الإبهار التقني والسينما الحقيقية. إنه عمل يراهن على الاسم والصورة، لكنه يخسر الجوهر، الفهم العميق لشخصية أم كلثوم التي يدعي الاحتفاء بها.

Post Views44 Total Count

تصفح المواضيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ethical Dimensions in the Digital Age

The Internet is becoming the town square for the global village of tomorrow.

الأكثر قراءة

هاشتاغ

عن زيتون نيوز

زيتون نيوز موقع اعلامي صادر عن مركز رام للدراسات العربية. مختص بالشؤون العربية في كندا، بالاضافة الى الاهتمام بأهم القضايا في الوطن العربي. وهو موقع مهني تشرف عليه الصحفية تغريد سعادة التي تعمل في الصحافة لما يزيد عن عقدين من الزمان.
يقع المكتب الرئيسي في مدينة ادمنتون / ألبرتا. ويعمل على تقديم تغطية شاملة، لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب في كندا. 

آخر الأخبار

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

أقسام

 Zaytoun News © 2024

error: Content is protected !!