تغريد سعادة
أثارت التصريحات المتصاعدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن السيطرة على غرينلاند، إلى جانب حديث إدارته عن التدخل في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، موجة قلق متزايدة داخل الأوساط السياسية الكندية، وسط تساؤلات حول حدود السياسة الخارجية الأميركية الجديدة، وما إذا كانت كندا قد تصبح ضمن دائرة الضغط أو التهديد.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب إعلان إدارة ترامب عزمها “إعادة تأكيد وفرض” الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، وفق ما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، التي تضع مواجهة النفوذ الروسي والصيني في مقدمة أولوياتها، ولا تستبعد استخدام أدوات عسكرية لتحقيق ذلك.
البيت الأبيض أكد هذا الأسبوع أن خيار استخدام القوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند لا يزال مطروحا، رغم أنها إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع للدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو). كما لوح ترامب بتدخلات محتملة ضد كولومبيا وعصابات المخدرات في المكسيك، مما أعاد إلى الواجهة نقاشا كان يعد حتى وقت قريب من التكهنات، وهو احتمال ممارسة واشنطن ضغوط غير مسبوقة على كندا.
وفي هذا السياق، حذر السفير الكندي السابق لدى الأمم المتحدة، بوب راي، في تصريحات صحفية من الاستهانة بالخطاب الأميركي، معتبرا أن الكنديين مخطئون إذا اعتقدوا أن بلادهم ليست على قائمة الاستهداف، ومشيرا إلى أن إدارة ترامب “لا تأخذ سيادة كندا على محمل الجد”.
من جانبه، قال آدم غوردون، الباحث الزائر في معهد كاسكيد بجامعة رويال رودز، في تصريحات صحفية إن هناك نمط متكرر في تصريحات وسياسات الإدارة الأميركية يثير القلق، من بينها دعوات ترامب لضم كندا لتصبح “الولاية الحادية والخمسين”، إضافة إلى لهجة استراتيجية الأمن القومي الأميركية وموقفها من القانون الدولي. وأكد أن احتمال استخدام القوة أو التهديد بها “لم يعد مستبعدا بالكامل”.
ويبرز ملف القطب الشمالي بوصفه أحد أكثر مصادر القلق الكندي إلحاحا في المرحلة الراهنة. فالمنطقة باتت محور تنافس دولي متصاعد في ظل ذوبان الجليد، الذي فتح طرق ملاحة جديدة وكشف عن ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة.
وتشير تقديرات جيولوجية إلى أن القطب الشمالي يحتوي على نحو 13% من احتياطي النفط غير المكتشف عالميا، ما يفسر تزايد الاهتمام العسكري والاقتصادي به.
بالنسبة للولايات المتحدة، يشكل القطب الشمالي جبهة استراتيجية لردع روسيا والصين، اللتين كثفتا وجودهما في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فقد أعادت موسكو فتح قواعد عسكرية قديمة ونشرت منظومات دفاع متقدمة، بينما تسعى بكين إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والعلمي ضمن ما تسميه “طريق الحرير القطبي”.
ويرى خبراء أن سعي واشنطن لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند قد ينعكس مباشرة على كندا، لا سيما في ما يتعلق بالممر الشمالي الغربي، الذي تعتبره أوتاوا مياه داخلية خاضعة لسيادتها، في حين تصنفه الولايات المتحدة كممر ملاحي دولي. وأي ضغط أميركي لتوسيع استخدام هذا الممر من شأنه أن يضعف الموقف القانوني والسيادي الكندي.
وقال كريستوفر هيرنانديز-روي، نائب مدير برنامج الأميركيتين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، في تصريحات صحفية نشرت إن أي وجود عسكري أميركي مكثف في القطب الشمالي قد يدفع روسيا والصين إلى زيادة نشاطهما البحري والعسكري، مما يرفع منسوب التوتر ويحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وأضاف أن على كندا أن تظهر قدرتها على حماية أراضيها ومياهها القطبية “حتى لا يشعر الأميركيون بالحاجة إلى القيام بذلك نيابة عنها”.
في المقابل، يرى مراقبون آخرون أن الحديث عن تدخل عسكري أميركي مباشر ضد كندا لا يزال مبالغا فيه. و إن واشنطن ستسعى على الأرجح إلى ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية، وربما التأثير في النقاش السياسي الداخلي، دون اللجوء إلى القوة العسكرية.
ومع ذلك، يتفق معظم الخبراء على أن كندا تواجه مرحلة دقيقة تتطلب موازنة معقدة بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدفاع عن سيادتها الوطنية، خاصة في القطب الشمالي الذي بات يشكل أحد أبرز ميادين الصراع الجيوسياسي في العالم.
