تغريد سعادة
منذ الانقسام عام 2007 تسببت حركة حماس بأضرار كبيرة وخطيرة للقضية الفلسطينية، بل يمكن القول إن هذا الانقسام شكل أحد أكبر أسباب التراجع الوطني الفلسطيني. ورغم ذلك، تواصل الحركة النهج ذاته الذي تسبب بهذا الضرر، وتعود اليوم لرفع شعار “الوحدة” في لحظة استحقاق وطني، في حين أنها صاحبة الانقلاب العسكري الذي فصل غزة عن الضفة الغربية، وقسم الجغرافيا والشعب والمؤسسات لما يقارب العقدين من الزمان.
حماس أقصت الكوادر الوطنية، وسجنت معارضيها وحاصرتهم، وتعاملت مع قطاع غزة وكأنه ملكية خاصة للتنظيم، لا فضاء وطني جامع. وحكمت الشعب بالحديد والنار، وفرضت سيطرة أمنية صارمة تحت شعار “المقاومة”، في وقت انخرطت فيه بتدخلات مباشرة في الشؤون العربية، بعيدا عن جوهر القضية الفلسطينية.
في سوريا، شاركت الحركة ميدانيا إلى جانب جماعات متطرفة مثل جبهة النصرة وداعش، وتحدثت تقارير عن علاقات مباشرة بين قيادات في حماس وشخصيات بارزة في تلك التنظيمات، من بينها الجولاني، إضافة إلى تدخلات في الأردن، ومحاولات العبث بالمشهد المصري. وخلال فترة حكم محمد مرسي، أعادت الحركة ترتيب أوراقها الإقليمية، وابتعدت عمليا عن خطاب المقاومة، بما يؤكد براغماتيتها السياسية وانقلابها على شعاراتها.
لم يكن صعبا على أي مراقب أن يكتشف أن حماس استخدمت “المقاومة” كأداة لتحقيق مكاسب سياسية وتنظيمية، لا كمشروع لتحرير الأرض. خاصة أن مشروعها عابر للحدود، مرتبط بأجندة تنظيم الإخوان المسلمين، لا بالمشروع الوطني الفلسطيني.
تدرك حماس أنها تشكل عمليا أداة تعطيل لقيام دولة فلسطين، وهو ما يتقاطع موضوعيا مع مشروع بنيامين نتنياهو. ورغم محاولاتها الأخيرة تغيير لهجتها تجاه مشروع الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، بعد أن كانت تهاجمه وتصفه بالخيانة، فإن هذا التحول جاء بعد فشل السابع من أكتوبر، والهزيمة التي لحقت بالحركة، لا نتيجة مراجعة وطنية حقيقية.
في المقابل، حقق المشروع الوطني الفلسطيني انجازات سياسية كان اهمها عام 2012، عندما قاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس حصول فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، استكمالا لإعلان الاستقلال عام 1988. غير أن هذا المشروع تعرض لسنوات من التشكيك والتخوين الممنهج من قبل حركة حماس وإعلامها، في محاولة لإضعافه، مقابل إبراز الحركة نفسها بوصفها “القوة المقاومة الوحيدة”. واليوم تزعم بلا خجل انها تسببت في اعلان بعض الدول دعمها لدولة فلسطين، علما انه عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين قبل السابع من اكتوبر 2023 كان ما يقارب 140 دولة. وان اضافة عدد اخر قادته مبادرة فرنسا والسعودية، والتي تدعمها الجامعة العربية والاتحاد الاوروبي، اللذين اشترطا خروج حماس من المشهد الفلسطيني.
وخلال الحرب الأخيرة، تجاهلت حماس مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، وتعاملت مع دماء المدنيين كـ”ثمن طبيعي” لعملياتها، دون أي شعور بالمحاسبة أو الالتزام الوطني. وتشير شهادات من سكان قطاع غزة إلى أن الحركة كانت تدعم عناصرها فقط، وكأنها غير معنية بالكارثة التي تسببت بها.
ورغم امتلاك حماس أموالا طائلة جمعت باسم القضية الفلسطينية وأهل قطاع غزة، فإن هذه الموارد لم توجه لتخفيف معاناة السكان، بل خصص جزء كبير منها لدعم عناصر الحركة. وقد كشفت تحقيقات وتقارير متعددة أن حماس حرصت خلال الحرب على تسليم عناصرها مخصصات مالية مباشرة، في وقت تجاهلت فيه المأساة الإنسانية التي تسببت بها، بما في ذلك مئات المدنيين الذين عانوا من المجاعة وفقدوا حياتهم بسببها.
لقد قسمت حماس الشارع الفلسطيني، وأضاعت سنوات طويلة من العمل الوطني، ولا تزال تناور من أجل بقائها التنظيمي، لا من أجل القضية. وما تبقى منها اليوم لا يتعدى قيادات تعيش في الخارج، في تركيا وقطر، دون وجود سياسي أو عسكري حقيقي في غزة.
إن الحلم الوطني الفلسطيني يتمثل في إنهاء هيمنة الإخوان المسلمين على قطاع غزة، وفتح الطريق أمام مشروع وطني جامع، يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، بعيدا عن المتاجرة بالشعارات وخدمة مشاريع الاحتلال، مهما ادعت المقاومة.
