تغريد سعادة
يصر محللو حركة حماس والمدافعون عنها على شاشات التلفزة على ترديد سؤال بات مستهلكا، من سيحمي عائلات عناصر الحركة وأبناءهم إذا سلمت حماس سلاحها، في ظل وجود عصابات يدعمها الاحتلال؟ لكن هذا السؤال، بعد كل ما شهدته غزة، لم يعد بريئا ولا مشروعا. فالواقع يؤكد أن سلاح حماس لم يكن يوما أداة لحماية المجتمع، بل تحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة قمع داخلي، استخدمت لتصفية الخصوم، وترويع العائلات الفلسطينية، وتبرير القتل بتهمة “العمالة”، وهي التهمة الأسهل والأخطر في ظل الاحتلال.
عشرات العائلات الفلسطينية لم تجد من يدافع عنها، بل تعرضت للتشهير والتخوين، وقتلت مرتين، مرة بأسلحة حماس، ومرة بخطابها التحريضي. بهذا الشكل حكمت حماس غزة بلا رقابة أو محاسبة، مما أتاح لها التمادي في استخدام السلاح ضد المجتمع الفلسطيني بدلا من حمايته. وما قامت به بعد وقف إطلاق النار مع الاحتلال في أكتوبر الماضي، من تنفيذ عشرات الإعدامات ضد منافسيها، أعاد إلى الأذهان صورة حكمها لغزة على مدى عقدين من الزمن.
واصبح سلاح حماس اليوم العقدة الأساسية أمام إعادة إعمار غزة. والمطالبة بتسليمه ليست شرطا إسرائيليا كما تحاول الحركة تصويره، بل مطلبا دوليا واضحا تفرضه الدول المانحة والمجتمع الدولي والجامعة العربية والاسلامية.
على مدى أكثر من عشرين عاما، خطفت حماس غزة سياسيا ومجتمعيا، وكرست انقساما عموديا خطيرا داخل المجتمع الفلسطيني، قوامه معادلة مدمرة، إما أن تكون مع حماس أو تصنف عميلا للاحتلال. هذه المعادلة لم تمزق النسيج الاجتماعي فحسب، بل ألحقت أضرارا عميقة بالمجتمع الفلسطيني، ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.
تدرك حماس أن تسليم السلاح يعني نهاية حكمها كتنظيم مسلح، ولذلك تناور. لكنها لا تناور دفاعا عن النضال الوطني، بل حفاظا على بقائها التنظيمي. وتروج أن نزع السلاح يعني نهاية المقاومة، وهو ادعاء يناقض التاريخ الفلسطيني، الذي أثبت أن الشعب الفلسطيني ناضل وحقق إنجازات دون احتكار السلاح أو اختطاف القرار الوطني. وحتى حجة الفراغ الامني سقطت مع وجود لجنة فلسطينية تدير شؤون القطاع.
هذا السلاح الذي حكمت به حماس غزة باسم “المقاومة” لم يحم الشعب، ولم يردع الاحتلال، بل جر القطاع إلى حروب متكررة بلا أفق سياسي ولا حس إنساني، وكان أحد الأسباب الرئيسية في مقتل آلاف الفلسطينيين، وتدمير غزة، وتعميق معاناة أهلها. غياب المحاسبة هو الجذر الحقيقي لهذه الكارثة. فقد سمح للحركة بأن ترفع شعارات التحرير، بينما كانت سياساتها العملية تعيد إنتاج المأساة، وتمنح الاحتلال ذرائع إضافية لتشديد حصاره وعدوانه. واليوم، بات استمرار سلاح حماس ذريعة جاهزة لتعطيل إعادة الإعمار، ووسيلة مفتوحة نحو تهجير الفلسطينيين من غزة، وهو الخطر الأكبر الذي يواجه القضية الفلسطينية في هذه المرحلة.
إن وجود حماس المسلحة باتت الحجة التي يتكئ عليها نتنياهو وحكومته للإبقاء على الوضع القائم. وفي المقابل، لا تبدو الحركة معنية بمصير الناس، بقدر ما هي معنية بالبقاء كتنظيم مسلح ينتظر تغير الظروف الإقليمية والدولية للاعتراف به، حتى لو كان الثمن مزيدا من الدم الفلسطيني او تنفيذ مخطط التهجير.
بعد كل هذا، يحق للشعب الفلسطيني أن يسأل، ماذا جنت حماس من عشرين عاما من الانقسام سوى تثبيت حكمها، وتشويه الحقائق، وفصل غزة عن الضفة، وضرب مشروع الدولة الفلسطينية؟ ماذا حققت سوى هزيمة سياسية وأخلاقية، دفع ثمنها آلاف الشهداء، ومجتمع ممزق، وقضية أغرقت في التعقيد؟
تسليم حماس للسلاح لم يعد خيارا سياسيا قابلا للتأجيل، بل ضرورة وطنية وأخلاقية، تفتح الباب أمام إنقاذ ما تبقى من غزة، ووقف نزيف الدم، ومنع التهجير. وكل مراوغة إضافية سيدفع ثمنها الشعب الفلسطيني وحده، وعندها لن تنفع الشعارات، ولن يرحمكم الشعب، ولن يرحمكم التاريخ.
