تغريد سعادة
ليس أكثر إيلاما من مشاهد الدمار في غزة والمجازر التي طالتها من قبل الاحتلال، إلا حالة النسيان السريعة التي أصابت بعض من يواصلون دعم حماس وكأن شيئا لم يكن. كأننا لم نعش أتعس سنتين من أعمارنا، نتابع المجازر لحظة بلحظة، نبكي أصدقاءنا وشعبنا، ونشهد انهيار حياة كاملة تحت القصف والجوع والبرد والنزوح.
الترف الحقيقي هو القدرة على تجاهل الألم، أن تدعم حركة حماس وتدافع عنها دون أن تطرح سؤالا واحدا عن الثمن الذي دفعه الشعب في السابع من اكتوبر، من دم أبنائه ودماءه وبيوته وذكرياته، وايضا الحروب التي سبقتها.
في غزة، عائلات كاملة أبيدت. حياة لازالت بلا ماء و بلا مأوى، و بلا خصوصية. أطفال يكبرون في الخيام، وأمهات لازلن يبكين أبناءهن، ورجال فقدوا الكثير . وجوع وبرد وخوف لم يغادر حتى بعد وقف الحرب. والشعب الفلسطيني في غزة لم يكن صاحب قرار الحرب، لكنه كان وقودها.
من يعرف تاريخ النضال الفلسطيني يدرك أن هذا الشعب قدم تضحياته بنفسه، بوعيه وإرادته. لكن ما جرى في السابع من أكتوبر بدا أقرب إلى محاولة إعادة تموضع سياسي، وفرض معادلة جديدة، أو تحقيق إنجاز تفاوضي لصالح حركة حماس دون الاكتراث بالنتائج.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، هل كانت الحروب التي تعرضت لها غزة ضرورة وطنية؟ أم وسيلة لتحسين شروط التفاوض لصالح حماس؟
كل الشواهد تقول بأن الحروب كانت أداة لترسيخ وجود حركة حماس وتثبيت موقعها، لا لتحرير الأرض أو حماية الشعب. فبين خطابهم الذي يتهم الآخرين بالخيانة، وسلوك لا يرحم يصل حد القتل والاعدامات لاستعراض القوة والحكم بالاكراه ، تظهر فجوة واضحة بين الشعار والممارسة.
الأخطر أن هذا المشروع لا يفهم فقط في سياق فلسطيني داخلي، بل ضمن إطار أوسع يرتبط بانتماءات أيديولوجية إقليمية. وهنا يصبح السؤال هل الأولوية للإنسان الفلسطيني، أم لبقاء التنظيم ضمن معادلات أكبر منه؟
هذا السؤال موجه لكل من يتغطى بمصطلحات “الوحدة الوطنية”، متناسيا أن الانقسام كان بسبب فعل حماس وانقلابها!!! وأن غزة دفعت أثمانا باهظة. ما ذاقه الشعب الفلسطيني في غزة من عذابات لا يمكن إنكاره أو تجاوزه أو التعامل معه كأنه تفصيل عابر. وتتردد عبارات اسمعها هنا وهناك، ان حماس جزء من الشعب الفلسطيني. هذا يعني الفلتان من المحاسبة، والقبول الضمني لكل الضرر الذي احدثته في القضية الفلسطينية.
ما حدث ليس ترفا ولا امر عابر، والمساءلة قمة الوطنية.
الترف في دعم حماس هو أن تفعل ذلك دون أن تستحضر وجوه الأطفال تحت الأنقاض، ودون أن تتذكر خيام النزوح، ودون أن تعترف بأن الشعب لم يختر أن يكون ساحة لتصفية الحسابات. والأهم أن تتجاهل تاريخا طويلا من النضال الفلسطيني، فتسوق كما لو أن دخول إسرائيل كان لأول مرة، وتشطب إرث العمليات النوعية التي أحدثت فرقا في وقتها، مثل عملية دلال المغربي، وعملية قبية التي استخدمت فيها الطائرات الشراعية، وغيرها الكثير في تاريخ الثورة الفلسطينية.
