تغريد سعادة
السياسة معركة تشبه الحروب في دقتها وتنظيمها، وتدار على جولات متتابعة قد لا تكون واضحة للعلن. ملامحها يمكن استنتاجها من رصد التحولات في المواقف وربط الأحداث والتقاطعات الإقليمية والدولية. وعادة اذا ما فشل مشروع على الطاولة قد يعاد تمريره لاحقا عبر واقع ميداني جديد. والسياسة هنا نوع من الحروب الشاقة التي لا يمكن التعامل معها باستخفاف.
في عهد رئاسة دونالد ترامب الأولى، طرح مشروع ما سمي بـ “صفقة القرن” كمحاولة لإعادة صياغة القضية الفلسطينية وفق رؤية أمريكية-إسرائيلية. يومها أعلنت السلطة الوطنية الفلسطينية رفض المشروع، ودفع الرئيس محمود عباس ثمن موقفه من خلال حصار سياسي ومالي، وقطع للمساعدات للسلطة وللشعب الفلسطيني، وضغوط مستمرة من أطراف إقليمية ودولية لازالت اثارها حتى الان واضحة.
وفيما عوقبت السلطة على رفضها، جاءت أحداث السابع من أكتوبر لتخلق واقعا جديدا. الحدث لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل بدت كفرصة لترامب ونتنياهو في أعادة ترتيب الوضع على الأرض الفلسطينية. وساهمت حركة حماس في فتح هذا الباب، إذ أنتج التصعيد واقعا دوليا جديدا أعاد تقييم التوازنات، وطرح سيناريوهات وترتيبات أمنية وبتدخل مباشر امريكي.
المفارقة هنا، بينما عانت السلطة من الحصار والعقوبات نتيجة موقفها الوطني الواضح، استمرت حماس في التمتع بهوامش حركة مالية ومساعدات برعاية اسرائيلية، وإعلامية واسعة، وهو ما يثير التساؤل كيف يمكن لفصيل يواجه الاحتلال أن يتحرك بحرية نسبية في حين تقيد السلطة التي رفضت الانصياع للمشروع الأمريكي.
ما فعلته حركة حماس، بوصفها جزءا من مشروع الإخوان المسلمين في المنطقة، لم يكن حدثا معزولا عن السياق الإقليمي، بل شكل محطة مفصلية مهدت للتدخل الأمريكي في فلسطين. فالتحرك الذي قدم باعتباره مواجهة كبرى، أنتج في نتائجه واقعا جديدا سمح لواشنطن بالدخول إلى الملف الفلسطيني بعمق أكبر، تحت عناوين الأمن وإعادة الترتيب السياسي، والسيطرة بعدما كان هذا التدخل المباشر يواجه عوائق كبيرة في السابق.
وبينما روج للحدث كإنجاز استثنائي، كانت تداعياته السياسية تفتح الباب أمام إعادة هندسة المشهد الفلسطيني وفق معادلات دولية لم يكن تمريرها ممكنا في السابق.
ما يحدث اليوم في فلسطين ليس مجرد صراع عسكري أو سياسي داخلي، بل نتيجة تراكب معقد بين السياسات الاسرائيلية والامريكية، واستثمار فصائل إسلامية في لحظة إقليمية مضطربة، ومشاريع خارجية تعيد رسم حدود السيطرة والرقابة على القرار والموارد الفلسطينية.
الأكثر إثارة للدهشة هو محاولات حركة حماس الالتفاف على هذه الوقائع، وتقديم نفسها كضحية أو كصاحبة إنجاز تاريخي، بينما تتجنب مواجهة الأسئلة الجوهرية حول نتائج أفعالها. فبدل الوقوف أمام محاسبة وطنية شفافة، يجري القفز فوق ما حدث، وكأن تداعياته الهائلة على الشعب الفلسطيني أمر عابر لا يستحق التوقف عنده أو المراجعة.
