تغريد سعادة
دخلت المنطقة العربية منذ ما سمي بـ “الربيع العربي” مرحلة معقدة من التحولات السياسية، رفعت خلالها شعارات الديمقراطية وحرية التعبير كمدخل للتغيير. وكانت قد بدأت في العراق. غير أن التجربة أثبتت أن هذه الشعارات، رغم أهميتها من حيث المبدأ، لم تكن دائما بعيدة عن التوظيف السياسي، سواء من أطراف خارجية أو داخلية.
لقد سعت قوى دولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى التأثير في مسارات التغيير في المنطقة العربية، مستفيدة من خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما برزت أصوات ناطقة بالعربية، لعبت دورا في إعادة تشكيل الخطاب العام بما يتماشى مع هذه الأجندات.
وفي هذا السياق، يطرح تساؤل مشروع، إلى أي مدى تعكس التجربة الغربية نموذجا يحتذى به في حرية التعبير؟
الحقيقة أن الصورة ليست مثالية كما يروج لها، إذ يعمل الإعلام ضمن أطر تتأثر بالمصالح السياسية والاقتصادية، كما هو الحال في الولايات المتحدة، حيث يهيمن الحزبان الرئيسيان، الديموقراطي والجمهوري على المشهد السياسي، وتبقى القضايا ضمن هذا الحدود لا يتم تجاوزها كما يظن البعض.
وفي الإطار ذاته، تبرز بعض الشخصيات العربية التي تقدم قراءات للوضع الداخلي العربي من مواقع خارجية. ومن بين هذه الأصوات الدكتور مروان المعشر، الذي شغل مناصب وزارية مهمة في الأردن، وعمل سفيرا للاردن في واشنطن لسنوات. ويشغل حاليا منصب نائب رئيس مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. وهي مؤسسة امريكية تسعى للترويج للموقف الامريكي. وهذا يفسر تماما مواقفه الحالية.
وطرحه مؤخرا فيما يتعلق بالإعلام الأردني وحدود حريته، أو في تقييم أداء السلطة الفلسطينية، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه الطروحات، وما إذا كانت تعكس قراءة داخلية خالصة، أم تتقاطع مع رؤى خارجية. خاصة عندما يتم طرح هذه الانتقادات في توقيتات حساسة تمر بها المنطقة.
إن هذا النوع من الخطاب، حتى وإن قدم تحت عنوان الإصلاح، هو يهدف للتأثير على الاستقرار الداخلي، خصوصا في ظل التحديات السياسية والإقليمية المعقدة التي تواجهها الأردن، منها الضغوطات التي تعرض اليها بسبب رفضه مخططات تهجير الفلسطينيين الى اراضيه، ودفع ثمنا لهذا الرفض. وايضا ما تواجه السلطة الفلسطينية من مؤامرات لاضعافها، وعداء دونالد ترامب لها منذ سنوات لرفضها صفقة القرن.
كما لا يمكن إغفال الدور الإقليمي لبعض القوى، مثل إيران، التي سعت بدورها إلى توسيع نفوذها في المنطقة، مستفيدة من حالة الاضطراب، مما يزيد من تعقيد المشهد ويضع الدول العربية أمام تحديات متعددة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب وعيا جماعيا يقوم على التمييز بين الدعوات الإصلاحية الحقيقية، وتلك التي قد تستغل لأهداف سياسية أوسع. كما تستدعي بناء خطاب عربي مستقل، قادر على التعبير عن مصالح المنطقة بعيدا عن الاستقطابات الدولية.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تعاون إعلامي وفكري عربي أوسع، يسهم في صياغة رواية متماسكة تعكس الواقع، وتستفيد من دروس الماضي، وتسعى نحو مستقبل أكثر استقرارا واستقلالا لدولنا العربية.
