تغريد سعادة
أستهجن الحملة التي يشنها بعض الكتاب الداعمين لحركة حماس وبعض أطراف اليسار الفلسطيني، والتي تدعي أن توقيت الانتخابات التشريعية غير مناسب، وأنه لا بد من حوار وطني يسبقها. ومن الصعب فهم كيف يقف هذا التيار ضد استحقاق وطني طالما طالب به وانتقد السلطة بسبب تأجيله، ثم يرفضه اليوم عندما يصبح حقيقة بمرسوم رئاسي نافذ.
اليوم، نحن بحاجة إلى فتح المجال أمام قيادات جديدة وشابة تمتلك القدرة على قيادة المرحلة المقبلة. فالطموح حق للجميع، لكنه يجب أن يكون محكوما بالمنطق وبما يخدم المصلحة الوطنية. فما كان يعد خيارا مناسبا قبل عشرين عاما، حين جرت آخر انتخابات تشريعية عام 2006، لم يعد صالحا لواقع اليوم. لقد تغير الزمن، وتبدلت التحديات، ويستحق الشعب الفلسطيني قيادة تعكس متطلبات هذه المرحلة، لا أن تبقى أسيرة معادلات وشخصيات صنعتها ظروف الماضي. فالحياة السياسية التي لا تتجدد تشيخ، والأفكار التي لا تواكب الواقع تتحول إلى أدوات من الماضي.
وفي هذا السياق يظن البعض أن تناول شخصيات وطنية، مثل القيادي في فتح مروان البرغوثي، أو مناقشة بعض الحقائق المتعلقة بترشحه، هو استهداف لشخصه. والحقيقة أن الهدف هو تسليط الضوء على قضايا تستحق النقاش، بعيدا عن الشخصنة.
لقد استخدم اسم مروان البرغوثي لسنوات طويلة كورقة سياسية من قبل خصوم السلطة، وتحديدا حركة حماس، رغم أنه ينتمي إلى حركة فتح، حتى وصل الأمر إلى القول إن انتخابات عام 2021 أجلت لأنه سيكون الفائز فيها، رغم أن شروط الترشح القانونية قد تشكل عائقا أمام أهليته.
كما أن محاولات المقارنة بين وضع مروان البرغوثي وتجربة نيلسون مانديلا ليست دقيقة؛ فمانديلا لم يترشح لرئاسة جنوب أفريقيا وهو في السجن، بل بعد خروجه منه، حيث قاد مرحلة سياسية جديدة ثم خاض الانتخابات التي أوصلته إلى رئاسة البلاد.
حملة الافراج عن مروان تقول ان من بين المبررات المطروحة لترشيح مروان أن فوزه سيشكل ضغطا دوليا للإفراج عنه. لكن هل يجوز أن تتحول قضية شعب بأكمله إلى وسيلة لتحقيق هدف يتعلق بشخص واحد، مهما كانت مكانته الوطنية؟ مروان البرغوثي قائد وطني له تاريخ نضالي مشرف، ونتمنى له الحرية كما نتمنى ذلك لجميع الأسرى، لكن لا يجوز أن تصبح القضية الفلسطينية رهينة لهذا الرهان.
ومن حق مروان أن يطمح لأي موقع سياسي، ومن حق الشعب أيضا أن يناقش ما إذا كانت هذه الخطوة تخدم القضية الفلسطينية أم لا. وإذا كان الهدف هو الإفراج عنه وحده، فماذا عن آلاف الأسرى الآخرين؟ فالقضية يجب أن تبقى أكبر من الأشخاص، مهما كانت رمزيتهم.
لقد اعتقل مروان بسبب دوره في الانتفاضة الثانية، وهذا تاريخ نضالي يحظى بالاحترام، لكن لا يجوز استخدام معاناته أو مكانته لتوجيه خيارات الشعب السياسية. كما أن جزءا كبيرا من صورته الجماهيرية تضخم بفعل الإعلام، وساهمت أطراف سياسية، ومنها حماس، في تقديمه كورقة لمناكفة السلطة، وهو ما يستدعي وقفة جادة وتأملا هادئا، بعيدا عن الانفعال أو تبادل الاتهامات.
واليوم، تبدو الفرصة سانحة أمام شعبنا لإحداث التغيير وتصويب مسار الحياة السياسية، والدفع بقيادات شابة تستفيد من تجارب المناضلين وتبني عليها، لا أن تبقى أسيرة لها. فالمعيار يجب أن يكون الكفاءة، والرؤية، والبرنامج السياسي القادر على خدمة مستقبل فلسطين، لا رصيد التضحيات وحده. فالاحترام لكل مناضل واجب، لكن قيادة المستقبل يجب أن تبنى على القدرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة الغد، لا على الابتزاز المعنوي بما قدمه هذا أو ذاك. فالهدف في النهاية هو فلسطين، وليس مكافأة الأشخاص مهما عظمت تضحياتهم.
احترام تضحيات المناضلين والأسرى واجب وطني لا نقاش فيه، فهم جزء أصيل من تاريخ شعبنا ونضاله. لكن الوفاء لهذه التضحيات لا يكون بتحويلها إلى أدوات في الخلاف السياسي، بل بجعلها دافعا لبناء مستقبل أفضل لفلسطين.
