تغريد سعادة
الفساد المالي هو إساءة استخدام المال أو النفوذ المالي لتحقيق منفعة شخصية أو غير مشروعة، سواء كان ذلك من قبل أفراد أو مسؤولين أو مؤسسات. ولا يقتصر مفهوم الفساد في المؤسسات الرسمية وحدها، بل يشمل كل جهة أو شخص يستغل الأموال أو النفوذ بعيدا عن الأطر القانونية والرقابية.
وانطلاقا من هذا المفهوم، فإن حصول بعض الشخصيات، وخصوصا السياسية منها، على أموال من جهات خارجية كهبات و لا تخضع للإفصاح والرقابة، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه الأموال وأهدافها، وفيما إذا كانت هذه الأموال تمنح مقابل تبني مواقف سياسية أو التأثير في القرار العام، فإن ذلك يندرج ضمن أشكال شراء الذمم والتأثير غير المشروع في الحياة السياسية، وهي ظاهرة تتكرر في المشهد الفلسطيني.
كما أن بعض الجماعات أو المبادرات تجمع تبرعات تحت عناوين وحملات مختلفة دون توضيح آليات الإنفاق أو نشر كشوفات مالية تبين حجم الإيرادات وأوجه الصرف. واستمرار جمع التبرعات لسنوات طويلة دون شفافية أو مساءلة قد يفتح الباب أمام استغلال القضايا العامة لتحقيق مصالح خاصة، وهو ما يتعارض مع مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون.
وفي المقابل، فإن حصر الحديث عن الفساد المالي في السلطة الفلسطينية فقط، مع تجاهل ملفات تتعلق بتنظيمات أو جهات فلسطينية تتلقى دعما أو تمويلا من دول إقليمية أو غيرها، يطرح إشكالية في التعامل مع مفهوم الفساد. فالمعيار يجب أن يكون واحدا، يقوم على الشفافية والمساءلة، بغض النظر عن الجهة المستفيدة أو انتمائها السياسي.
كما أن تلقي أموال خارجية من قبل شخصيات سياسية أو إعلامية أو عامة، دون الإفصاح عن مصادرها أو أوجه استخدامها، يستحق بدوره النقاش والرقابة. فغياب المساءلة لا يجعل هذه الممارسات مشروعة، بل يثير تساؤلات حول مدى استقلالية المواقف السياسية والإعلامية وإمكانية تأثرها بمصادر التمويل.
ومن المفارقات أن بعض الجهات ترفع شعار مكافحة الفساد، بينما لا تخضع نفسها للمعايير ذاتها التي تطالب الآخرين بها. فمكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات، وإنما بتطبيق مبادئ الشفافية والإفصاح والمحاسبة على الجميع دون استثناء أو انتقائية.
إن محاربة الفساد تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على مؤسسة أو طرف بعينه، بل تشمل كل من يتولى إدارة المال العام أو يتلقى أموالا باسم العمل السياسي أو الوطني أو الخيري. فالعدالة تقتضي أن يخضع الجميع للمعايير نفسها، وأن تكون الشفافية والمساءلة أساسا للحكم على أي ممارسة مالية، بعيدا عن الانتماءات السياسية أو الاعتبارات الفئوية.
ونتمنى من هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية فتح جميع الملفات التي تستدعي التحقيق، بما فيها ما يتعلق بالشخصيات العامة والتمويل الخارجي، تحقيقا لمبدأ المساواة في الرقابة والمساءلة، وبما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز الشفافية وسيادة القانون.
