تغريد سعادة
تابع الشارع الفلسطيني خلال الأيام الماضية سلسلة من التصريحات التي أطلقها عدد من الشخصيات المحسوبة سابقا على المؤسسة الأمنية الفلسطينية، أو ممن شغلوا مواقع قيادية في حركة فتح أو السلطة الفلسطينية، قبل أن يبتعدوا عنها نتيجة خلافات أو تقاطعات سياسية. واليوم، يعود هؤلاء إلى الواجهة عبر انتقادات علنية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول دوافعها، هل هي انتقادات هدفها الإصلاح والتغيير، أم أنها محاولة للتشويش، أم أنها تأتي في إطار التحضير لخوض الانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل، أم أنها لا تعدو كونها تصفية حسابات شخصية؟
لكل من هؤلاء أسبابه ودوافعه، التي تختلف من شخص إلى آخر. فالبعض تراجع نفوذه داخل حركة فتح، وآخرون فقدوا مواقعهم أو أحيلوا إلى التقاعد، فيما يرى آخرون أن تأثيرهم في صناعة القرار لم يعد كما كان، الأمر الذي انعكس في خطابهم السياسي والإعلامي.
وبمتابعة سريعة للتصريحات الصادرة خلال الأسبوع الماضي، بدا المشهد في رام الله، العاصمة السياسية الفلسطينية، وكأن هناك حراكا معارضا يتشكل داخل البيت الفتحاوي. ويبدو أن انتقاد السلطة أو قيادة حركة فتح أصبح يجد صدى لدى جزء من الشارع الفلسطيني، الذي يعيش حالة من السخط بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية المتفاقمة، واستمرار الحصار المالي المفروض على السلطة الفلسطينية منذ رفضها “صفقة القرن” خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب استمرار إسرائيل في اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية.
أما على الصعيد الداخلي، فيبقى المشهد معقدا؛ فتأخر صرف الرواتب، وأزمات الوقود، وتزايد الأعباء الاقتصادية، كلها عوامل أثقلت كاهل المواطنين الفلسطينيين، حتى بات بعضهم مهددا بالسجن بسبب شيكات أو التزامات مالية يعجز عن الوفاء بها. وفي الوقت ذاته، تثير الاستعدادات للانتخابات التشريعية جدلا وانتقادات، وصلت إلى مستويات قيادية في حركة فتح، كما ظهر في التصريحات الأخيرة التي صدرت عن جبريل الرجوب.
وفي هذا السياق، أوضحت مصادر قيادية داخل حركة فتح أن الاجتماعات التشاورية التي عقدتها اللجنة المركزية، والتي غاب عنها كل من جبريل الرجوب ومحمود العالول، لا تعني وجود انقسام حقيقي داخل الحركة. وأكدت المصادر أن الرجلين لا يزالان يحتفظان بموقعيهما في أعلى هيئة قيادية للحركة، مشيرة إلى أن اجتماعا للمجلس الثوري سيعقد اليوم الاربعاء مع اللجنة المركزية وبحضورهما، لبحث ما جرى ووضعه في إطاره التنظيمي. واكدت المصادر أن غيابهما اقتصر على الاجتماعات التشاورية للحركة، وليس اجتماعات اللجنة المركزية التي عادة تعقد برئاسة الرئيس محمود عباس.
وأضاف المصدر أن جميع الاعتراضات المطروحة، سواء عبر وسائل الإعلام أو في الأطر التنظيمية، لم تصل إلى مستوى إحداث تغيير فعلي على الأرض، مؤكدا أن المؤسسة الأمنية ما زالت تؤدي دورها وتفرض سيطرتها، ولا توجد مؤشرات على صراعات داخلية تهدد الاستقرار.
كما نفى المصدر ما يتم تداوله بشأن وجود ترتيبات لتوريث رئاسة السلطة أو حركة فتح، في إشارة إلى الأنباء المتكررة حول إعداد ياسر عباس لخلافة الرئيس. وأكد أن اختيار قيادة الحركة يتم وفق الأطر والقوانين التنظيمية المعتمدة، التي تستند إلى التاريخ التنظيمي والأقدمية والشرعية الحركية، معتبرا أن ما يتداول في هذا السياق لا يستند إلى وقائع أو معطيات حقيقية.
ومنذ تولي الرئيس محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية قبل نحو عقدين، شهدت حركة فتح والسلطة خروج ودخول شخصيات سياسية وأمنية بارزة، بعضها وصل إلى حد القطيعة الكاملة والتصادم الكلامي ، كما حدث مع محمد دحلان وتياره، أو مع شخصيات أخرى انتهى بها الأمر إلى الفصل أو الإقصاء من مواقعها التنظيمية. و اليوم، ورغم ارتفاع سقف التصريحات والانتقادات في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، فإنها لا تبدو، حتى الآن، أكثر من تعبير عن تباينات سياسية أو رسائل ضغط داخلية، من دون أن ترتقي إلى مستوى تشكيل معارضة قادرة على تغيير موازين القوى داخل حركة فتح أو التأثير في بنية السلطة. وبين حالة الاحتقان الشعبي والأزمة الاقتصادية، يبقى المشهد أقرب إلى ضجيج سياسي منه إلى تحول حقيقي في مراكز صنع القرار.
