تغريد سعادة
يثير استغرابي تصوير أي انتقاد يوجه إلى شخصية عامة تتبنى مواقف متقاربة مع حركة حماس أو تعارض السلطة الفلسطينية على أنه “اغتيال سياسي” أو “حملة مشبوهة”. وفي المقابل، تكشف حملات الدفاع المنظمة، التي كثيرا ما تدار من خلف الكواليس، كما هي في حالة مصطفى البرغوثي، حجم الخشية من النقد أكثر مما تعكس قوة الموقف الذي يجري الدفاع عنه.
النقد حق مشروع، ولا توجد شخصية عامة فوق المساءلة. فإذا أصبح مجرد توجيه الملاحظات يصنف على أنه استهداف أو اغتيال، فكيف يمكن أن نمارس حقنا في المحاسبة؟ وكيف سنميز بين النقد الموضوعي والاصطفاف الأعمى؟
كما أن دفاع بعض الأطراف، سواء كانوا فلسطينيين أو غير فلسطينيين عن مصطفى البرغوثي، لن يغير من وعي الفلسطيني بما يجري على أرضه. فالشعب قادر على تمييز الحقائق، ولا يمكن إقناعه عبر حملات إعلامية أو اصطفافات سياسية تخدم تيارا على حساب آخر.
ما فاجأني حقا هو موقف حركة فدا والجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية عندما اصدرت بيانا وصفت فيه منتقديه بأنهم جزء من “حملة مشبوهة”. هذا الموقف يعكس منطقا فصائليا مفاده أن المساس بأي شخصية محسوبة على المعارضة يعد تلقائيا حملة مشبوهة، في حين أن بعض هذه الأطراف نفسها لا تتردد في توجيه اتهامات تصل إلى التخوين أو اتهام تيار السلطة الفلسطينية بالعمالة. هذا التناقض يطرح سؤالا مشروعا، لماذا يصبح النقد حقا عندما يوجه للسلطة الفلسطينية وتصل لمرحلة التخوين والعمالة، بينما يتحول إلى “حملة مشبوهة” عندما يطال شخصيات محسوبة على المعارضة؟
وهذه ليست المرة الأولى التي تشن فيها حملات دفاعية مكثفة عن مصطفى البرغوثي، بما يوحي بأن أي نقد يوجه إليه يعامل وكأنه محاولة اغتيال سياسي، بدلا من التعامل معه باعتباره حقا طبيعيا في النقاش والمساءلة. والمفارقة أن بعض هذه القوى تصف نفسها بأنها قوى ديمقراطية، بينما يفترض أن تكون الديمقراطية قائمة على تقبل النقد، والرد عليه بالحجة، لا بتخوين المنتقدين أو التشكيك في دوافعهم.
ما حدث في موضوع مصطفى البرغوثي أسهم في تعميق الانقسام الفلسطيني، ورسخ فكرة خطيرة مفادها أن انتقاد تيار أو شخصية سياسية في خانة حماس يعد خيانة أو عمالة. وانه مسموح التعدي والوصول بالوصف لصيغة الخيانة لحركة فتح والسلطة. وهذه ثقافة لا يجوز السكوت عنها، لأنها تضرب أسس الحياة السياسية السليمة، وتحول الخلاف السياسي إلى معركة لتخوين كل صاحب رأي مخالف للمعارضة الفلسطينية. وبالمناسبة هو كذلك.
مواقف مصطفى البرغوثي التي بدت متقاربة مع حركة حماس لم تكن دفاعا عن غزة بقدر ما كانت تعبيرا عن خيار سياسي يخدم حضوره وموقعه. كما أن كثافة الظهور الإعلامي ليست إنجازا بحد ذاته، ولا تعني تلقائيا خدمة القضية الفلسطينية. فالقضية أكبر من الأشخاص، ولا تختزل في عدد مرات الظهور على الشاشات أو في صناعة صورة إعلامية خاصة، خصوصا عندما يصبح السعي إلى الأضواء داء نعرفه نحن في فلسطين انه اصيل عند مصطفى البرغوثي.
إن المسؤولية تقع على من يوقع على البيانات، خصوصا من يمثلون قوى موجودة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، والتي يفترض أن تكون مساحة للتعدد السياسي واحترام حق الاختلاف والنقد. فالمطلوب ليس حماية الأشخاص من النقد، بل حماية الحياة السياسية الفلسطينية من ثقافة التخوين ولكل الاطراف.
