تغريد سعادة
حينما يكتب عن السلطة الفلسطينية، يوجه إليها اتهام العمالة بصورة مباشرة، رغم أن هذا الوصف في الأصل كان جزء من خطاب خصومها السياسيين، وبرز بداية في إعلام حركة حماس، ثم انتقل تدريجيا إلى أوساط واسعة من المعارضين، حتى أصبح وكأنه حقيقة لا تحتاج إلى إثبات.
ومع مرور الوقت، تحولت معارضة السلطة لدى البعض إلى معيار للوطنية، حتى بات مجرد تبني هذا الموقف يمنح صاحبه قبولا اجتماعيا ومكانة خاصة، بغض النظر عن مستوى الطرح أو عمقه الفكري، ودون أن يكون هناك تدقيق حقيقي فيما إذا كانت هذه المواقف نابعة من قناعات راسخة أم أنها مجرد تكرار لخطابات سائدة ام هي رشوة يتقاضى امام ما يطرحه مالا.
وأطلقت على عدد من الأسماء أوصاف مثل “المفكرين”، لا لتميز مشاريعهم الفكرية، وإنما لانسجامها مع الخطاب المؤيد لحركة حماس. وأصبحت كثير من هذه الطروحات تحظى بالتبجيل والتداول دون التحقق من صحتها، أو سلامة منطقها، أو حتى من مدى التزام أصحابها أخلاقيا ومهنيا بما يطرحونه، وكأن مجرد أداء دور “المعارض” أصبح كافيا لمنح المصداقية.
ونحن نراقب المشهد الفلسطيني عن قرب، نلاحظ أن بعض الشخصيات التي تصنع حضورها شاشات تلفزيونية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين أو متحالفة معها، تحظى بتأثير واسع في الرأي العام العربي. وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت هذه المنابر تمثل بالفعل مشروعا مقاوما للاحتلال، فكيف استطاعت أن تؤثر بهذا الحجم في الشارع العربي، بينما يبدو في كثير من الأحيان أن خطابها يسهم في زيادة الاستقطاب وإرباك المشهد، وربما إبعاد البوصلة عن جوهر القضية الوطنية؟
السياسة بطبيعتها معقدة، والقوى الإقليمية والدولية تسعى باستمرار إلى توظيف الإعلام بما يخدم مصالحها. فهناك وسائل إعلام تعكس رؤى إيرانية مثل “الميادين”، وأخرى تعبر عن توجهات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أو قوى إقليمية مختلفة، بينما يبقى المواطن العربي محاصرا بسيل من الشعارات والروايات المتناقضة، دون أن يجد الوقت أو الأدوات الكافية للتحقق مما يقدم إليه.
وقد شهدنا خلال الحرب على غزة موجة واسعة من الهجوم على كل من وجه أي انتقاد لحركة حماس، قبل أن تبدأ مساحة النقاش تتسع تدريجيا بما ساهم في إعادة شيء من التوازن إلى المشهد العام.
وهكذا تتكرر المشاهد؛ صدمة أولى، ثم رفض، ثم يبدأ النقاش الهادئ، لتتضح الصورة بصورة أكبر مع مرور الوقت.
ولو أدرك القارئ العربي حجم التشويه والإشاعات والمعلومات المضللة التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالموضوع الفلسطيني، لأصبح أكثر حذرا في التعامل معها، وربما أعاد النظر في طريقة استهلاكه للمحتوى.
إن ما يحدث مذهل في سرعته وكثافته؛ تدفق متواصل للمعلومات والرسائل لا يمنح المتلقي فرصة كافية للتفكير أو التمحيص، بل يدفعه أحيانا إلى تبني مواقف جاهزة دون مراجعة. وفي كثير من الأحيان تبدو العناوين مقاومة ونضال وفلسطين، بينما تخفي وراءها صراعات سياسية، وتضارب مصالح، وتوزيع للأدوار بين أطراف متعددة.
ويبقى الأمل معقودا على يقظة الوعي، وعلى قدرة الناس على التمييز بين الحقيقة والاشاعة، قبل فوات الأوان. فمهما طال زمن الضجيج، فإن الحقيقة تظل قادرة على الظهور، لأنها لا تستقيم إلا بذاتها، ولأن فلسطين حقيقة في نهاية المطاف، وهي اكبر من كل الاصطفافات والانقسامات والخطابات المتنافسة.
