تغريد سعادة
في وقت مضى، حين كانت مرحلة الرئيس الراحل ياسر عرفات تشرف على الانتهاء، وبعد أن ثبت مرضه وأصبح واضحا أننا على أعتاب نهاية حقبة تاريخية مهمة في مسيرة الشعب الفلسطيني، اجتهد الاعلام المعادي للحركة بما فيها اسرائيل بالحديث عن صراعات وحروب داخلية، قد تقود الى حروب اهلية.
حقبة عرفات انتهت دون النزاعات التي صورها الإعلام العربي والدولي والاسرائيلي آنذاك. فقد اجتمعت القيادة الفلسطينية وأجمعت على اختيار محمود عباس، أبو مازن، الذي كان الرجل الثاني في قيادة منظمة التحرير وحركة فتح، رغم ما كانت تكتبه الصحافة عن طموحات بعض قيادات الحركة ونفوذهم.
واليوم يعود الحديث مجددا عن مرحلة ما بعد محمود عباس، وعن خلافات قد تشق حركة فتح وتدفعها نحو التشرذم، متناسين أن الرئيس عرفات حكم الحركة والقضية الفلسطينية لعقود طويلة، ولم يحدث خلالها ما كان يتوقع من صراعات داخلية مدمرة. فكيف يمكن الجزم بذلك في مرحلة ما بعد عباس؟
في حركة فتح يدرك الجميع أن الأمور تسير غالبا وفق مبدأ التوافق، وأن الحديث عن اقتتال بين القيادات التاريخية لا يعدو كونه مبالغات لا تعكس حقيقة الواقع الداخلي للحركة. وإذا وقع صراع، فإن أطرافه لن يكونوا أبناء فتح أنفسهم، بل دعم من إسرائيل وكل من يقف إلى جانب حركة حماس.
وأسمع في كثير من الأحاديث الداخلية أن الرئيس عباس نفسه قد يكون العائق أمام عودة محمد دحلان وجماعته للحركة. ورغم أن هذا التفسير ليس دقيق للغاية لان لدحلان منافسين داخل اللجنة المركزية، فإن غياب عباس – أطال الله في عمره – قد يعيد للحركة شيئا من قوتها التنظيمية.
لكن ما يدعو للقلق هو طموحات بعض التيارات التي تعتقد أنها تستطيع اقتناص الفرصة في ظل أي خلافات داخلية. ومحاولات الترويج للرئاسة دوليا كمدخل لفرضها داخليا. هذا اضافة الى ان كثير من خصوم الحركة بدأوا يتقربون من حماس، ظنا منهم أنها الطرف الرابح، في ظل سياسة بنيامين نتنياهو القائمة على إدارة الصراع والإبقاء على حماس بما يمنع قيام الدولة الفلسطينية.
وأعتقد أن قوة حركة فتح تكمن في تمسكها بدورها القيادي، وفي قدرتها على مواجهة أصعب المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها مواجهة ما عرف بصفقة القرن، التي مرت على كثيرين، سواء من الجماهير أو من خصوم الحركة، دون التوقف عنده كانجاز فلسطيني.
ونحن نعيش اليوم على صفيح ساخن، علينا أن نتذكر أن البقاء للأقوى، مهما ارتفعت الأصوات حوله. وفتح ما زالت الحركة الأقوى، حتى وإن حاول خصومها وأعداؤها التقليل من إنجازاتها وسجلها الوطني. وليتذكر الجميع أن فتح ما زالت التنظيم الأكبر داخل سجون الاحتلال، وأن عدد الأسرى من أبنائها، والمحكومين بالمؤبدات، يتجاوز نصف مجموع أصحاب الأحكام المؤبدة.
لذلك، لا تلتفتوا إلى إعلام حماس، الذي يدعمه كل خصوم فتح، بمن فيهم من خرج من رحمها. فالأم قد تنجب الصالح والطالح، وهذه هي فتح، وستبقى، في نظر أبنائها، الأم الحنون التي تقود الفلسطينيين إلى بر الأمان، في مواجهة كل الانتهازيين، وكل من يتساوق مع مشروع الاحتلال، وإن كانوا، للأسف، يطلقون على أنفسهم اسم “المقاومة”.
