تغريد سعادة
ثلاث نساء فلسطينيات رائدات في الأدب، كنت محظوظة بلقائهن أكثر من مرة، في حوارات صحفية وأخرى دردشات امتدت الى ما هو أبعد من الأدب. تحدثنا عن الحب والحياة والإبداع، وبعض من جوانب حياتهن الخاصة. هن الشاعرة فدوى طوقان (1917–2003)، والكاتبة والروائية نجوى قعوار فرح (1923–2015)، والشاعرة والناقدة والمترجمة سلمى الخضراء الجيوسي (1928–2023).
التقيت كل واحدة منهن في مدينة مختلفة، وفي زمن مختلف، لكن اللافت تشابهن بعدد من الصفات. كانت طريقة الحوار متشابهة إلى حد كبير؛ ثقة بالنفس وهدوء، ونبرة صوت مسموعة غير عالية، وإصغاء حقيقي للآخر بدقة وانتباه.
كانت جملهن تنم عن ثقافة عالية وان كان يغلب عليها احيانا خفة الظل وبعض الفكاهة. ضحكتهن رزينة غير صاخبة .
ثلاثتهن كن يلبسن بنفس الطريقة. وان كان لكل منهن شخصيتها. كن انيقات . انيقات للغاية. وفدوى اكثرهن اناقة.
وكانت لكل واحدة منهن كاريزما خاصة، وهالة استثنائية. ذلك النوع من الحضور الذي يمنح من يجلس أمامه شعورا بالقوة والدفء، مزيج من المعرفة والحكمة، ومن الرقة والمرح. خليط من الحياة والحكمة. كن حنونات ومبتسمات وحالمات وجميلات.
ولم يكن الأدب وحده هو ما يجمعهن. فقد تعلمن لغات أجنبية، باعتبار اللغة نافذة على ثقافة أخرى. كما عرفن الموسيقى، فكان تكوينهن الثقافي متعدد الأبعاد، يجمع بين الأدب والفنون واللغات.
حين أتذكر ذلك الجيل من الرائدات الفلسطينيات، أشعر أننا أمام نموذج مختلف للمثقفة العربية والفلسطينية. لم تكن الثقافة زينة اجتماعية، ولا وسيلة للظهور، بل مشروع حياة.
ورغم أن الحاضر لا يخلو من المبدعات أو المثقفات الحقيقيات، فكل جيل له نماذجه المضيئة، لكن المشهد الثقافي اليوم يبدو ملتبسا. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل صناعة صورة المثقف، بينما أصبح امتلاك المعرفة العميقة أكثر ندرة. نسمع كثيرا من الكلمات الإنجليزية في الأحاديث اليومية، لكن استخدامها لا يعني بالضرورة إتقان اللغة أو فهم ثقافتها.
وربما يكمن الفارق الأكبر بين الأمس واليوم في طبيعة التكوين؛ فقد جاءت رائدات الأمس إلى الأدب بعد سنوات طويلة من القراءة والتعلم والانضباط، بينما تعيش كثير من المثقفات اليوم في زمن السرعة والإيقاع العالي، وقد تسبق الشهرة التجربة، ويأتي الظهور قبل النضج. والأهم من ذلك كله هو السلوك؛ إلى أي حد كان هذا السلوك امتدادا لشخصية المثقفة؟ وهل المثقفة اليوم أكثر تحررا فعلا في منطقها وسلوكها وحتى في مظهرها، وهل أنتج هذا التحرر أدبا أكثر تقدما وعمقا، أم أن مفهوم التحرر نفسه قد أسيء فهمه، فأصبح عاملا في الابتعاد عن جوهر الثقافة والإبداع؟
سيظل جيل الرائدات الفلسطينيات علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية والفلسطينية، ليس فقط بسبب ما كتبنه، بل بسبب الطريقة التي عشن بها الثقافة بكل تفاصيلها. مثلن نموذجا للمثقفة التي تجسد في حياتها ما تدعو إليه في فكرها وإبداعها، فلا فجوة بين ما تؤمن به، وما تكتبه، وما تعيشه.
