تغريد سعادة
على الرغم من الاحتفاء الكبير بانتخابات حركة حماس، وفوز خليل الحية، رئيس حماس السايق في غزة، رئيسا للمكتب السياسي، وعلى الرغم من اعتبار البعض أنها انتخابات ديمقراطية، إلا أن اللافت أن رئاسة الحركة لم تخرج عن المألوف؛ خالد مشعل يمثل قيادة الحركة في الخارج، وخليل الحية رئيسا للمكتب السياسي، والفارق بين المتنافسين كان صوت واحد فقط.
تناول كثيرون هذا الفارق، واعتبروا أن الحركة على موعد مع نهج وسياسة جديدين. لكن يبدو أن الأمور ستبقى على حالها، لأن مجلس الشورى الذي انتخب الرئيس وأعضاء المكتب السياسي متقارب في وجهات النظر، والادعاء بأن فصلا جديدا في الحركة قد بدأ لا ينطبق على الحية، الذي شغل سابقا منصب نائب لخلفه الشهيد يحيى السنوار، صاحب فكرة السابع من اكتوبر.
واللافت أيضا أن هذه الانتخابات، التي منحها مناصرو الحركة من كتاب وإعلاميين مساحة كبيرة من الاحتفاء، لم تلتفت إلى أن الحكم في غزة اختلف. فلم تعد الحركة تدير قطاعا وحكومة كما كان الحال سابقا، كما أن 30% فقط من القطاع تحت سيطرة الفلسطينيين، وهي نتيجة لما جرى بعد السابع من أكتوبر.
وحماس، التي تآكلت مع تآكل قطاع غزة، وتراجع العدد الإجمالي لسكان القطاع بسبب المجازر التي نفذها الاحتلال بعد السابع من أكتوبر، هي ما يجب النظر إليه دون مبالغات أو ادعاءات، ودون اعتبار أن الحركة لا تزال قادرة على العمل في غزة.
حماس سلمت القطاع ناقصا، محتلا ومدمرا، ورغم ذلك لا تزال تناور في قضية سلاحها، الذي يعد، في المعنى الدارج الفلسطيني، أشبه بـ”حجة جحا”. هذا السلاح الذي انعدم حضوره في القطاع، بدليل أننا لا نسمع عن هجوم لكتائب القسام لاستعادة القطاع، ولا نسمع عن اشتباكات كما عظمتها الجزيرة. كل شيء خفت، وانعدمت الحياة بالكامل في القطاع، وهو تحت تهديد مخطط التهجير. وجنود الاحتلال يتكدسون في القطاع ويتجولون فيه كما يحلو لهم دون مقاومة من حركة حماس.
الفارق في التصويت، وعدم حصول أي من المرشحين على الحسم والوصول إلى 36 صوتا من أعضاء مجلس الشورى وفقا لبرنامجها الداخلي، رغم إعادة الانتخابات، يدل على أن الحركة تقف عند مفترق طرق ولا تعرف يقينا إلى أين تسير. ويبدو أن الصوت الذي رجح الحية على مشعل قد يكون بداية مرحلة لن تطول، خاصة مع ما تداولته أنباء صحفية عن أن رئاسة الحية ستكون لعام واحد فقط، وهو ما يشير إلى عدم وجود تغيير جذري داخل الحركة، والاستمرار في نهجها القائم على ضبط إيقاع العلاقات المتوازنة وفق ما تفرضه المستجدات.
البراغماتية، التي لا يفهم البعض جانبا منها في هذا التنظيم الإسلامي، تظهر في استعداد الحركة للتخلي عن السلاح مقابل استحقاق سياسي. وكانت الدلالة على ذلك خلال تولي محمد مرسي الحكم في مصر، وكيف انخرطت حماس في هذا المشروع الاخواني وتخلت عن السلاح بصمت ولم نعد نسمع اي كلام يدعو للمقاومة، والذي حملوا نتائحه لاحقا لخالد مشعل فقط، لينجو التنظيم من تبعاته. أما الادعاء بأن التكتيكات الحالية مختلفة، فهو ضرب من الخيال، لأن حماس تحكم بالمكتب السياسي الثمانية عشر، غير المعروفين لأسباب أمنية، هم من يرسمون ويديرون السياسة اليومية للحركة، وليس برئيسه.
وبالنظر إلى برنامجها الداخلي، ندرك أن رئيس الحركة يقود العمل التنفيذي، لكنه ليس فوق المكتب السياسي أو مجلس الشورى. فالقرارات الاستراتيجية الكبرى تتخذ بصورة مؤسسية داخل المكتب السياسي.
وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني على موعد مع استمرار المناكفات السياسية التي ستقودها الحركة على حساب الشعب الفلسطيني في غزة، وعلى حساب القضية الفلسطينية، دون تحمل مسؤولية، وبادعاء شكلي للتجديد، بينما خط الحركة يتجه إلى مزيد من المناكفات، وليس إلى التغييرات الجذرية.
ويعني ذلك ايضا أننا أمام عام ثقيل، تحكمه ادعاءات الجزيرة بوجود تنظيم لا يزال يملك كلمة حاسمة في الشارع الفلسطيني، رغم كل ما أصابه من تراجع وتآكل في حكمه ومكانته داخل المجتمع الفلسطيني. ولكن الثابت أن الانتخابات التشريعية القادمة، والمقررة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم، ستنتج مجلس جديد ومعارضة متنوعة، بعيدة تماما عن المعارضة الكلاسيكية التي سادت خلال العشرين عاما الماضية، بما يطوي صفحة ساخنة صنعت حالة من المناكفات السياسية، وأدت إلى خطف جزء من فلسطين، وهو قطاع غزة، وتقديم أكثر من 70٪ منه للاحتلال بادعاء مقاومته.
