تغريد سعادة
ينظر كثيرون إلى الانتخابات باعتبارها الوسيلة الأنجح لبناء مجلس ديمقراطي يعكس إرادة الناخبين، كما هو الحال في الانتخابات المرتقبة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي أو المجلس الوطني الفلسطيني. ورغم صحة هذا التصور من حيث المبدأ، فإن نجاح أي قائمة أو تيار سياسي يتأثر بجملة من العوامل السياسية والتنظيمية والموضوعية التي تلعب دور أساسي في تشكيل النتائج، كما أظهرت التجربة الفلسطينية في انتخابات عام 2006، حيث تداخلت اعتبارات عديدة في تحديد خيارات الناخبين ومخرجات العملية الانتخابية.
ايضا شهدنا بعد الانتخابات الداخلية لحركة فتح قبل اسابيع خروج عدد من المعارضين المنتقدين لنتائجها. ورغم أن الأمر شأن داخلي يخص الحركة، فإن كثيرين ظهروا عبر وسائل الإعلام للاعتراض على عدم اختيار هذا الشخص أو ذاك، بل ذهب بعضهم إلى اعتبار الانتخابات غير نزيهة فقط لأن مرشح بعينه لم ينجح.
إن إصدار الأحكام من دون الإحاطة الكاملة بالظروف الموضوعية، لا يسمح بتقديم قراءة دقيقة أو عادلة. وينطبق الأمر ذاته على ما يجري اليوم من تحضيرات لانتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية.
فالانتخابات، أو ما يعرف بالعملية الديمقراطية، لم تكن يوما في أي دولة من دول العالم وسيلة لاختيار شخص على حساب آخر وفق معايير مثالية أو مجردة. إنها في جوهرها عملية سياسية تقوم على قدرة المرشح أو القائمة على جذب الناخبين وإقناعهم. ولا يرتبط النجاح فيها بالضرورة بكون المرشح الأكثر كفاءة، بل بعوامل متعددة تتصل بمصالح الأحزاب السياسية، وحساباتها، وطبيعة قوائمها الانتخابية.
لهذا فإن الانتخابات، رغم كونها ممارسة ديمقراطية، لا تفضي بالضرورة إلى اختيار الأكثر كفاءة أو الأكثر طيبة. فنحن نتحدث عن عالم السياسة بما يحمله من تحالفات وتنسيقات وتوازنات بين القوى الفاعلة على الأرض، ومن دعم لقوائم أو شخصيات معينة. ولا وجود في الواقع السياسي للمثالية التي يتخيلها البعض عند الحديث عن الانتخابات، فنحن لا نعيش في المدينة الفاضلة.
ولكن الاهم من كل هذا، النقد الموجه للسلطة الفلسطينية يقابله رفض لنقد حركة حماس وبعض الفصائل اليسارية الداعمة لها، بل يصل الأمر أحيانا إلى تخوين المنتقدين للاخيرتين واعتبار هذه الأطراف الممثل الوحيد والحصري للوطنية الفلسطينية مقابل سلطة عميلة.
وقد ساهم جزء من الخطاب الإعلامي في ترسيخ هذا التوجه عبر الانحياز لطرف على حساب آخر، كما انحازت بعض قوى اليسار ومن داخل منظمة التحرير لحركة حماس في سياق خصوماتها مع السلطة، دون الانتباه إلى انعكاسات ذلك على المشروع الوطني الفلسطيني ككل. و محاولة إقناع الناس بأن مصير الضفة الغربية يشبه مصير غزة، باعتبار أن المسارين السياسي والعسكري ينتهيان إلى النتيجة ذاتها، وهو تصور يهدف إلى تضليل الشارع الفلسطيني.
صحيح أن السلطة الفلسطينية حكمت الضفة الغربية، وتعرضت لحصار مالي قاس، وواجهت اتهامات عديدة بالفساد، بعضها حقيقي وبعضها جرى تضخيمه، كما شكلت قضية مقتل نزار بنات حالة خاصة عملت علي تشويه عمل السلطة وامنها بما يتعلق بحقوق الانسان، إلى جانب ممارسات الاحتلال في الضفة. لكن اللافت أن كثيرا من الأصوات التي تتوقف عند هذه القضايا لا تلتفت إلى ما آلت إليه الأوضاع في غزة.
فالغزيون يعيشون منذ سنوات ظروف مأساوية بين الخيام والدمار الواسع للبنية التحتية، وحرمان قطاعات واسعة من التعليم والرعاية الصحية ومقومات الحياة الطبيعية، واعادة احتلال الجرء الاكبر من القطاع ومع ذلك لا يحظى هذا الواقع بالقدر نفسه من التركيز أو المساءلة، بل يقدم في كثير من الأحيان باعتباره نضال وصمود ومقاومة.
ويضاف إلى ذلك ما وثقته تقارير دولية وأممية من انتهاكات لحركة حماس في غزة تمثلت في الاعتقالات والسجون والإعدامات التي نفذت دون محاكمات عادلة. ورغم ذلك، لم تلق هذه الممارسات انتباه من الكثيرين ممن انتقدوا السلطة الفلسطينية. فالأشخاص الذين لا يزالون يكررون الحديث عن قضية نزار بنات، كثيرا ما يتجاهلون حالات الاعدام ببث مباشر من قبل الحركة، وما ورد في تقارير الأمم المتحدة بشأن الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون في غزة من قبل حماس، بما في ذلك الاعتقالات والإعدامات التي تكررت منذ انقلابها وعلى مدار عقدين ومستمرة حتى الان!
ينتقدون واقع الضفة الغربية ويضعونه في سياق واحد مع الكارثة في غزة، وهو خلط وتشتيت ما كان ليحدث لو تقدم حب فلسطين على الكراهية تجاه حركة فتح أو على الولاء لحركة حماس.
