تغريد سعادة
في مسلسل “الدرب الطويل”، الذي أنتجته دبي عام 1998 وأخرجه صلاح أبو هنود، والذي اعتبر النسخة التمهيدية لمسلسل “التغريبة الفلسطينية” الشهير للمخرج الراحل حاتم علي، قدم الكاتب الكبير وليد سيف قراءة عميقة لحالة الشعوب العربية التي علقت آمالا كبيرة على حرب 67، واعتبرتها الطريق إلى دحر الاحتلال، من دون الالتفات إلى حجم الاستعداد أو القدرات العربية الفعلية. في العمل، ربطت الشخصيات أحلامها الوطنية وحتى طموحاتها الشخصية بنتائج الحرب، قبل أن تصطدم بواقع مختلف خلف خيبة أمل وصدمة لجيل كامل.
لقد لخص وليد سيف تلك المرحلة التاريخية بالفجوة بين حجم الطموح والآمال من جهة، والقدرات الفعلية على خوض الحروب وتحقيق أهدافها من جهة أخرى. وبين الطموح والواقع، تراكمت الهزائم والنكسات، وبقي الاحتلال قائما.
إنه درس مهم في التاريخ يعلمنا أن الحرب ليست مجرد قرار أو شعار، وإنما تحتاج إلى إمكانات وقدرات حقيقية، وإلا كانت نتائجها عكسية. وهذا كان موقفنا في السابع من أكتوبر، وهو موقف اعتبره كثيرون آنذاك استسلاميا أو حتى متواطئا. وبعيدا عن التصريحات الأخيرة للقيادي في حماس غازي حمد، التي وصف فيها أحداث السابع من أكتوبر بأنها خطأ، فإن الهدف هنا ليس محاكمة حماس، فقد قلت كلمتي في حينها، والتاريخ سيقول حكمه. وإنما الغاية هي لفت انتباه الشعوب إلى ضرورة النظر إلى الحرب بعين التجربة التاريخية، لا الانسياق وراء أحلام وشعارات تتجاوز حقائق الواقع. فالتاريخ مليء بتجارب أثبتت أن الحماس وحده لا يصنع النصر، وأن تجاهل موازين القوى والقدرات الفعلية والمعادلات الدولية والإقليمية، مع بقاء الظروف الموضوعية على حالها، يقود إلى نتائج كارثية تتحمل الشعوب ثمنها قبل غيرها، وكما يحصل الان في فلسطين.
حركة حماس جزء من المشروع العالمي للإخوان المسلمين، وهو مشروع استخدم، ولا يزال يستخدم، ضمن توازنات دولية وإقليمية، واهمها المصالح الأمريكية، للضغط على عدد من الأنظمة العربية عبر توظيف المزاج الشعبي المؤيد للمقاومة. وفي المقابل، دفعت القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ثمنا باهظا لهذا المسار. وما يزال كثير من أنصار حماس يرون أن دعم الحركة هو الطريق الوحيد لمقاومة الاحتلال، في حين أن مقاومة الاحتلال هي هدف يجمع الفلسطينيين جميعا، ويبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق هذا الهدف بأقل الخسائر البشرية وأكبر المكاسب السياسية والوطنية، والاهم بمشروع وطني فلسطيني لا تدخل فيه اصابع ايران او أمريكا كما يحصل مع حماس.
حدثني مصدر فلسطيني مسؤول عن مباحثات جرت في مونتريال بكندا عام 2024 بين ممثلين عن حركة حماس ومسؤولين أمريكيين، للاتفاق على استمرار وجودها في قطاع غزة، وإن إسرائيل عارضت هذا الاتفاق، وردت باغتيال إسماعيل هنية في طهران. لنستنتج ان امر حماس مرهون بمصالح الطرفين الامريكي والاسرائيلي.
وهنا في ظل الحديث عن انتهاء حماس كسلطة حاكمة و كتنظيم عسكري في قطاع غزة، يبقى السؤال، هل ستظل الحركة ورقة في صراعات القوى الإقليمية والدولية، بما يؤثر في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني؟ و هل سيعيد أنصارها تقييم تجربتها في ضوء ما جرى خلال السنوات الماضية، حتى وان سيختفى شعار المقاومة الذي ارتبط بها؟ قادم الأيام سيجيب عن هذه الأسئلة، وقد تكون صناديق الانتخابات التشريعية القادمة هي العامل الحاسم في تحديد الخارطة السياسية الفلسطينية الجديدة، وإظهار حجم حضور حماس وجماهيريتها، بعد تأكيدات عن نيتها خوضها، والأهم: الثوب الجديد الذي ستظهر به.
