سجل في القائمة البريدية

Edit Template

الغرب والديمقراطية والقضية الفلسطينية

تغريد سعادة

في الغرب، لا شيء يحدث بمعزل عن السياسة؛ فالفن والسينما والإعلام، وحتى المؤسسات الأكاديمية والثقافية، تتأثر بحسابات المصالح والنفوذ. ونحن الذين نعيش في المجتمعات الغربية، نملك من الشواهد ما يؤكد لنا الفجوة بين المبادئ الديمقراطية المعلنة وتطبيقها على أرض الواقع.

فالديمقراطية لا تقاس بالانتخابات وحرية التعبير وحدهما، بل بمدى قدرة الأفراد على ممارسة هذه الحريات دون التعرض لضغوط مهنية أو اجتماعية. وقد كشفت الحرب على غزة عن هذه الإشكالية، مع تعرض أكاديميين وموظفين وطلاب في كندا لإجراءات وضغوط بسبب مواقفهم من القضية الفلسطينية، وهو ما أثار تساؤلات جدية حول حدود حرية التعبير واستقلال المؤسسات.

كما اتسعت الفجوة بين مواقف قطاعات واسعة من الشارع الغربي وسياسات حكوماته. فرغم المظاهرات المطالبة بوقف الحرب وحماية المدنيين الفلسطينيين، استمرت أشكال الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل. وهذا يعكس كيف تتقدم المصالح الاستراتيجية والتحالفات السياسية على المبادئ المعلنة، وكيف تظل آثار الإرث الاستعماري حاضرة في التعامل مع قضايانا العربية وتحديدا القضية الفلسطينية.

ولطالما تأثرت التغطية الإعلامية للقضية الفلسطينية باختلال موازين القوة، إذ حظيت الرواية الإسرائيلية بالدعم الكامل. لكن وسائل التواصل الاجتماعي والشهادات الميدانية كسرت جانبا من احتكار الرواية، وأتاحت للعالم رؤية ما كان يحجب أو يقدم بصورة أحادية.

ومن أكثر الأفكار سطحية القول إننا فشلنا في الترويج لقضيتنا. فهذا الطرح يتجاهل تاريخ طويل من النضال الفلسطيني والعربي في كندا والولايات المتحدة، شمل العمل السياسي والإعلامي والحقوقي والمجتمعي، وامتدت جذوره إلى ما قبل قيام إسرائيل عام 1948. لم تكن القضية غائبة، ولم يكن المدافعون عنها مقصرين؛ بل إن إيصال الحقيقة لا يعني تلقائيا القدرة على تغيير سياسات الحكومات.

وفي ظل هذه الظروف، أنشأ أبناء الجاليات العربية مؤسسات أهلية وخدمية حافظت على الهوية والثقافة وقدمت خدمات مهمة للمجتمع. غير أن العمل الخدمي لا يتحول إلى نفوذ سياسي؛ فالتأثير في القرار يحتاج إلى تنظيم واستمرارية وموارد واستراتيجية واضحة. كما أن طبيعة البيئة السياسية قد تدفع بعض المؤسسات إلى تجنب الاشتباك المباشر مع القضايا الحساسة حفاظا على استمراريتها وضمان دعمها.

ولا تنفصل السينما والجوائز الثقافية عن هذا المشهد. فالسياق السياسي والإعلامي قد يؤثر في استقبال والاهتمام بالقضية الفلسطينية. كما أن الاعتراف الفني بالانجاز الفلسطيني لا يعني بالضرورة حدوث اختراق سياسي. فهناك فرق بين تسليط الضوء عليها كقضية إنسانية وبين العمل على تغيير السياسات المرتبطة بها.

وهنا تكمن المفارقة، قد تحتفي مؤسسة ثقافية بقيم العدالة والحرية، بينما تستمر سياسات في البلد نفسه تتعارض مع هذه القيم عندما يتعلق الأمر بفلسطين كما يحدث في كندا. وقد تتحول قضايا الشعوب إلى وسيلة لتحسين الصورة الأخلاقية للمؤسسات والدول، دون أن ينعكس ذلك على مواقفها العملية.

إن المطلوب هو التمييز بين الاعتراف الرمزي والتغيير الفعلي، وبين التعاطف الإعلامي والسياسة العملية. فليس كل تكريم انتصار، وليس كل حضور إعلامي تغيير، وليس كل خطاب إنساني دليل على سياسة عادلة.

إن قضايانا لا تحتاج إلى من يستثمر فيها لتحسين صورته، بقدر ما تحتاج إلى من يعترف بحقوق أصحابها ويدافع عنها حين تتعارض مع المصالح، ويترجم المبادئ المعلنة إلى مواقف وسياسات. فالمشكلة ليست أننا لم ننجح في إيصال قضيتنا، بل أن إيصال الحقيقة لا يعني بالضرورة أن أصحاب النفوذ والمصالح مستعدون للتصرف على أساسها.

Post Views3 Total Count

تصفح المواضيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ethical Dimensions in the Digital Age

The Internet is becoming the town square for the global village of tomorrow.

الأكثر قراءة

هاشتاغ

عن زيتون نيوز

زيتون نيوز موقع اعلامي صادر عن مركز رام للدراسات العربية. مختص بالشؤون العربية في كندا، بالاضافة الى الاهتمام بأهم القضايا في الوطن العربي. وهو موقع مهني تشرف عليه الصحفية تغريد سعادة التي تعمل في الصحافة لما يزيد عن عقدين من الزمان.
يقع المكتب الرئيسي في مدينة ادمنتون / ألبرتا. ويعمل على تقديم تغطية شاملة، لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب في كندا. 

آخر الأخبار

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

أقسام

 Zaytoun News © 2024

error: Content is protected !!