تغريد سعادة
في قطاع غزة توقفت الحياة منذ أكثر من ثلاثة أعوام بشكل كامل، ونحو 2 مليون و250 ألف فلسطيني في القطاع يعيشون تبعات عملية عسكرية اعتبرتها حماس وداعموها فصلا مهما في التاريخ الفلسطيني، رغم أن تنفيذها كان بقرار مجموعة من داخل حماس، وليس بإجماع الحركة، كما اكتشفنا لاحقا من خلال تبعات العملية العسكرية وما أعقبها.
وبعيدا عن السجال القائم، وعن الإشادات التي انطلقت من منصات الإخوان المسلمين في المنطقة لإحياء فكرة أن هناك قاعدة متماسكة لهذا العمل، تبقى النتائج التي ترتبت على السابع من أكتوبر حاضرة أمام الجميع.
ورغم كل الإثباتات ونتائج السابع من أكتوبر، لا يزال هناك من يعتبره انتصارا، واعتبار أن انشغال الشعوب العالم بالمجازر التي نفذها نتنياهو بحق شعبنا وحده دلالة على هذا الانتصار!!!
كل ما يجري اليوم من ترتيبات يأخذ السياق العام باتجاه يخدم الاحتلال وأمريكا في المنطقة، باستغلال الإخوان كمشروع أمريكي، واستغلال “بعبع إيران” والسماح لها بإضعاف الدول العربية.
إيران التي وصفت السابع من أكتوبر بأنه محطة مهمة، ساهمت، من خلال نفوذها والقوى المرتبطة بها، في إسقاط العراق واحتلاله واستغلال مقدراته. وفي الوقت الذي كان يجري فيه الحديث عن حصار إيران، كانت مليارات الدولارات الأمريكية تهرب من العراق لصالح إيران، وبغض طرف من الولايات المتحدة.
والأهم هو تعزيز المشروع الإيراني والإخواني من خلال منصات إعلامية لها شعبية واسعة، والسماح لها بالتواجد والتأثير، ومن أبرزها “الميادين” و”الجزيرة”, الأولى الناطقة باسم إيران في المنطقة، والثانية الناطقة باسم الإخوان. وأن الاثنتين استخدمتا الخطاب العدائي لإسرائيل وشعارات الموت لإسرائيل.
وهذا التقديم يخدم في النهاية، حالة الاستقطاب التي تبقي المنطقة منشغلة بهذه المشاريع، بعيدا عن السؤال الأكبر المتعلق بمستقبل الدول العربية وقدرتها على حماية قرارها ومقدراتها. حيث تصدر المشروع الإسلامي، أو القوى الإسلامية، المشهد على حساب المشروع الوطني المتمثل في النظم الرسمية، بما هيئ لصعود الإسلام السياسي على حساب الدولة الوطنية، من دون إدراك كامل لنتائج هذا المسار وتداعياته. والأخطر أن هذا المسار يعمل، في المحصلة لصالح الجماعات الإسلامية ومشاريعها، وليس لصالح المجتمع والدولة ككل، كما قد يتخيل البعض.
لقد مرت هذه الحيلة على الشعوب العربية تماما كما يروي التاريخ كيف لجأ البعض في مراحل سابقة إلى بريطانيا وفرنسا لإحلالهما محل العثمانيين، قبل أن يتضح أن استبدال قوة خارجية بأخرى حتما لا يعني الوصول إلى الاستقلال وانه اعادة للاستعمار وبشكل جديد.
أمريكا لم تتعامل مع إيران كما تعاملت مع العراق، الذي ساهمت إيران في إعادة تشكيل نظامه السياسي والأمني بعد الغزو، وتوسعت فيه بصورة كبيرة، فيما أصبحت مقدرات العراق وثرواته موزعة بين أمريكا وإيران. ومع ذلك، تفسر هذه المعادلة بأنها نتيجة لقوة طهران، من دون قراءة أوسع لحقيقة الصراع والمساحة المسموح بها فيه، ودور طهران في إضعاف فلسطين والمنطقة العربية. فالمعادلة الأمريكية، تقوم على إبقاء إيران قوية بما يكفي لتشكل عبئا على الدول العربية، ولكن أضعف من إسرائيل، بما يحافظ على التفوق الإسرائيلي. ولذلك فإن جوهر الخلاف الأمريكي ـ الإيراني، لا يتمثل في منع إيران من أن تكون قوة إقليمية، بقدر ما يرتبط بمنعها من امتلاك سلاح نووي، بما يحفظ التفوق الإسرائيلي.
وطهران، التي يعتبرها البعض مناهضة للمشروع الأمريكي، لا تزال توجد بينها وبين إسرائيل قنوات اقتصادية وتجارية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما أن هناك استثمارات ومصالح مرتبطة بإسرائيل في ايران. وهنا تبرز مفارقة أخرى لا يمكن تجاهلها.
إيران، التي يرفع خطابها السياسي شعار الدفاع عن المسلمين ومواجهة إسرائيل، يعيش فيها نحو 30 ألف يهودي، ولهم نحو 200 كنيس يصلون فيها، في حين تشير تقديرات دولية ومن داخل أوساط أهل السنة إلى أن عدد السنة في إيران يتجاوز 7 ملايين سني إيراني، ولا يوجد مسجد سني واحد لهم. ومع ذلك، لا تزال طهران عند البعض قائدة العمل التحرري في المنطقة والمتقدمة في موقع الدفاع عن العرب. بل يعتبرها البعض القوة الوحيدة المناهضة للاحتلال و لأمريكا!
