تغريد سعادة
تعيش المنطقة العربية ظرفا صعبا، تتناقض فيه المواقف والشعارات مع ما يحدث على الأرض، وسط حالة من التشويش والتضليل تجعل كثيرين عاجزين عن إدراك حقيقة ما يجري، والتمييز بين الشعارات السياسية والمصالح الفعلية للقوى الإقليمية والدولية.
لقد اعتاد جزء من الشارع العربي التصفيق لإيران باعتبارها قوة مقاومة للاستعمار والاحتلال الإسرائيلي، لمجرد أنها تعلن العداء لأمريكا وإسرائيل وترفع شعار القضية الفلسطينية. لكن هل فعلا إيران قدمت خدمة للقضية الفلسطينية؟ ام انها استغلتها لتحقيق مكاسب لها؟ وكيف يمكن تجاهل ما خلفته تدخلاتها في دولنا العربية، والاستمرار في التعامل معها باعتبارها عنوانا للمقاومة؟
غزة التي تعرضت للقتل والدمار والخراب ليست مجرد ساحة لتسجيل الانتصارات الإعلامية، بل مأساة إنسانية وتاريخية وجغرافية فتحت الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية في القطاع، حتى بات مصيره مرهونا بحسابات وأجندات خارجية، بدلا من أن يكون القرار فلسطينيا. وما يثير الاستغراب هو أن يتعامل مع ما يجري في غزة وكأنه أمر واقع ومسألة مسلم بها، من دون نقاش جاد حول ما آلت إليه الأوضاع، وكيف أصبح مستقبل القطاع مرتبطا بإرادات خارجية. يغيب هذا السؤال عن الخطاب الإعلامي والسياسي، وكأن ما حدث في غزة وما يرسم لمستقبلها لا يستحق أن يناقش فيما يتصدر موضوع تأجيل الانتخابات الفلسطينية الاهتمام، وكأنه القضية الأهم.
وفي هذا السياق، تبرز قناة الميادين بخطابها المنحاز لإيران، وما تقدمه من روايات عن المقاومة والانتصار، بما يسهم في توجيه الرأي العام العربي وفق الرواية الإيرانية. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله، هل يعقل أن تسمح واشنطن لقناة تعلن العداء لأمريكا بأن تواصل بث خطابها والتأثير في الشارع العربي بما يخدم النفوذ الإيراني؟ أليس في ذلك ما يدعو إلى التساؤل عن طبيعة المصالح التي تتقاطع في المنطقة، وعن حقيقة ما يصل إلى الجمهور العربي من روايات؟ هو أمر يحتاج إلى التمحيص، لا إلى التسليم بالشعارات.
لقد ساهم الغزو الأمريكي عام 2003 في تدمير بنية الدولة العراقية وإضعاف جيشها ومؤسساتها، وفتح الباب أمام توسع النفوذ الإيراني. ولم تكن المسألة مجرد الإطاحة بصدام حسين، بل خسارة العراق قوته ومكانته وتاريخه ودوره في المنطقة، فيما تقاطعت مصالح قوى إقليمية ودولية على حساب الدولة العراقية.
فكيف لا يدرك العرب أن إضعاف دولهم يفتح المجال أمام ايران تحديدا لتوسيع نفوذها وتقاسم المصالح والثروات مع امريكا؟
ما يحدث في السعودية مثال جديد على انحراف البوصلة لدى بعض العرب، الذين يتعاملون مع الصراع وفق الشعارات والاصطفافات، دون إدراك أن استهداف الرياض وإضعافها لا ينعكسان على السعودية وحدها، بل على مجمل القوة العربية ومقدرات المنطقة.
إن الخطر يكمن في تحول الشارع العربي، وهو يعتقد أنه يدعم المقاومة، إلى طرف ساهم في إضعاف دوله وتوسيع نفوذ القوى الإقليمية والدولية وتحديدا ايران على حساب مصالحه العربية.
ونقطة مهمة أخرى، ان حقيقة الخلاف بين إيران وإسرائيل يتمحور حول البرنامج النووي الإيراني، وليس حول فلسطين أو إنهاء الاحتلال. فطهران وتل أبيب تختلفان على النووي وموازين القوة والنفوذ، لا على حقوق الفلسطينيين أو تحرير أرضهم. لعل وعسى أن يفهم الشارع العربي حقيقة ما يجري، وأن يدرك أبعاد هذا الصراع قبل فوات الأوان! لعل وعسى.
