سجل في القائمة البريدية

Edit Template

الوجود العربي في برلمانات الولايات المتحدة وكندا

تغريد سعادة

يظن البعض، في ظل زحمة الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، أن الوجود العربي في مؤسسات الحكم الغربية ظاهرة حديثة، وأن وصول شخصية من أصول عربية إلى موقع سياسي متقدم يمثل إنجازا غير مسبوق. و تتكرر كثيرا عبارة “أول مسلم” كما حدث في التغطية المتعلقة بوصول عبد الرحمن السيد، ذي الأصول المصرية، إلى مجلس الشيوخ الأمريكي. لكن العودة إلى التاريخ تكشف أن العرب، ومنذ عقود طويلة، وصلوا إلى مواقع سياسية متقدمة في الولايات المتحدة وكندا، وأن حضورهم في مؤسسات الحكم وصناعة القرار ليس أمرا جديدا.

ولا أريد أن يتحول هذا المقال إلى بحث تاريخي، وهو في الحقيقة جزء من عمل أبحث فيه منذ سنوات، خصوصا فيما يتعلق بكندا، لكن من المهم الإشارة إلى أن الوجود العربي في المؤسسات التشريعية الأمريكية قديم؛ فقد دخل جورج قاسم مجلس النواب الأمريكي عام 1959، وكان جيمس أبو رزق من أبرز الشخصيات العربية التي وصلت إلى مجلس الشيوخ عام 1973.

ولا ينبغي أن نركض كثيرا وراء صفة “أول مسلم”، فنحن العرب نفتخر بكل دياناتنا وثقافاتنا، ولا يمكن اختزال هويتنا في انتماء ديني واحد. وأحيانا، فإن التركيز المبالغ فيه على الصفة الدينية، بدلا من الهوية العربية وتاريخها المتنوع، يعكس توجه أيديولوجي،و يرتبط بخطاب جماعات اسلامية التي غالبا ما تنظر إلى الإنجازات من زاوية الانتماء الفكري والتنظيمي.

ولنعد إلى التاريخ قليلا. العرب موجودون في أمريكا الشمالية منذ بدايات تشكل مجتمعاتها الحديثة، وكانت الهجرة العربية إلى الولايات المتحدة وكندا قد بدأت منذ القرن التاسع عشر، وبالتالي فإن مشاركتهم في الحياة العامة والسياسية ليست أمرا جديدا.

ففي كندا، يعد الفلسطيني ابن حيفا، بيير دي باين من الشخصيات التي تستحق التوقف عندها عند الحديث عن الجذور السياسية للحضور العربي في كندا. ففي عام 1967 او في النكسة كما يسمونه العرب، عينه بيير ترودو، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير العدل، مساعدا خاصا له. ومع وصول ترودو إلى رئاسة الوزراء عام 1968، ارتبط اسم دي باين بالعمل السياسي والحزب الليبرالي، وأصبح من الشخصيات التي تذكرها الروايات المتعلقة بالبدايات المبكرة للتمثيل العربي في البرلمان الكندي.

وبالتزامن مع المرحلة السياسية التي شهدت صعود بيير ترودو الأب، برز السياسي الكندي جوزيف غيز، من أصول لبنانية، الذي كان حليفا سياسيا بارزا لتيار الحزب الليبرالي. وأصبح عام 1986 رئيسا لحكومة مقاطعة جزيرة الأمير إدوارد، في محطة مهمة من محطات وصول شخصيات من أصول عربية إلى مواقع القيادة السياسية في كندا.

أما في الولايات المتحدة، فقد برزت شخصيات عربية في مواقع دبلوماسية وسياسية مؤثرة، من بينها فيليب حبيب، الدبلوماسي الأمريكي من أصول لبنانية، والذي لعب دورا مهما في السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصا خلال أحداث لبنان عام 1982. وكان قد ساهم في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في يوليو 1981، وعمل مستشارا خاصا ومبعوثا رئاسيا للشرق الأوسط في عهدي الرئيسين جيمي كارتر ورونالد ريغان، وكان من الشخصيات التي شاركت في إدارة ملفات سياسية ودبلوماسية شديدة الحساسية.

والقائمة تطول، لعل بحثي يحددها في وقت لاحق، ولكن الاهم هو فهم طبيعة الوجود العربي في المؤسسات السياسية الغربية، وما الذي يعنيه وصول شخصية من أصول عربية إلى البرلمان الأمريكي أو الكندي.

إن هذا الوجود يمثل العرب في مجتمعات المهجر، ويمنحهم فرصة للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم في قضايا الهجرة والوظائف والتمييز والمساواة والاندماج في المجتمع. لكنه لا يعني بالضرورة أن هؤلاء السياسيين يمثلون العرب الموجودين في منطقتنا العربية أو يحملون قضاياهم السياسية إلى مؤسسات الحكم الغربية. فهناك فرق بين خدمة مصالح الجاليات العربية في أمريكا وكندا، وبين تبني القضايا السياسية للمنطقة العربية.

كما أن السياسي الذي يصل إلى البرلمان من خلال الحزب الديمقراطي أو الجمهوري في الولايات المتحدة، أو الحزب الليبرالي أو المحافظ في كندا، يكون ملتزما ببرنامجه الحزبي والسياسي وبالناخبين الذين أوصلوه إلى موقعه، ولا يمكن افتراض أن أصوله العربية تعني بالضرورة تبنيه مواقف سياسية تتوافق مع تطلعات العرب في منطقتنا.

ومن خلال نتائج البحث الذي أعمل عليه، فإن مجرد وجود سياسي من أصول عربية في البرلمان لا يعني بالضرورة إحداث تغيير في السياسات الغربية تجاه القضايا العربية. وفي المقابل، نشهد اليوم أمريكيين وكنديين من خلفيات مختلفة يسعون إلى تغيير مواقف بلدانهم تجاه إسرائيل، ويطالبون بمراجعة السياسات القائمة، في ظل حجم المجازر والانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. وقد تجاوزت هذه الأصوات حدود الانتماء العربي، وأصبحت القضية حاضرة بقوة في النقاش السياسي والشعبي داخل الولايات المتحدة وكندا.

لذلك، عندما نتحدث عن العرب في الغرب، يجب ألا نضلل التاريخ أو نختزل الحضور العربي في إنجاز حديث أو شخصية واحدة. فالعرب كانوا جزءا من الحياة السياسية ومؤسسات صناعة القرار في الولايات المتحدة وكندا منذ عقود طويلة، ومن المهم توثيق هذا التاريخ وفهم طبيعة هذا الحضور.

Post Views21 Total Count

تصفح المواضيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ethical Dimensions in the Digital Age

The Internet is becoming the town square for the global village of tomorrow.

الأكثر قراءة

هاشتاغ

عن زيتون نيوز

زيتون نيوز موقع اعلامي صادر عن مركز رام للدراسات العربية. مختص بالشؤون العربية في كندا، بالاضافة الى الاهتمام بأهم القضايا في الوطن العربي. وهو موقع مهني تشرف عليه الصحفية تغريد سعادة التي تعمل في الصحافة لما يزيد عن عقدين من الزمان.
يقع المكتب الرئيسي في مدينة ادمنتون / ألبرتا. ويعمل على تقديم تغطية شاملة، لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب في كندا. 

آخر الأخبار

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

أقسام

 Zaytoun News © 2024

error: Content is protected !!