تغريد سعادة
تابعنا قبل ساعات، حلقة برنامج “ما خفي أعظم” على قناة الجزيرة، التي تناولت محمد الضيف، قائد كتائب عز الدين القسام، أعادت التسجيلات والوثائق المعروضة طرح سؤال هام حول من اتخذ القرار الفعلي بتنفيذ هجوم السابع من أكتوبر، ومن كان صاحب القرار في تحديد توقيته؟ فقد كشفت المواد التي عرضها البرنامج، والتي يرجح أنها سجلت في وقت سابق ونجحت حماس بالاحتفاظ بها رغم كل الدمار الذي حل بالقطاع، تفاصيل عن اجتماعات القيادة العسكرية لكتائب القسام ومسار الإعداد للعملية.
ووفقا لما عرضته الجزيرة، عقد اجتماع للمجلس العسكري المصغر يوم السبت 11 فبراير/شباط 2023، بحضور محمد الضيف، المشار إليه بالاسم الرمزي “علي”، ومروان عيسى، المشار إليه بـ”سعد”، ومحمد السنوار، المعروف بأبي إبراهيم، ويحيى السنوار المعروف بابو ابراهيم يحيى. وناقش الاجتماع مشروع “فهد”، وهو الاسم الرمزي لما عرف لاحقا بعملية “طوفان الأقصى”، حيث جرى الاتفاق على الجاهزية لتنفيذه، من دون حسم موعد العملية، مع الإشارة إلى إمكانية إلغائها في حال التراجع عن الاعتداءات في المسجد الأقصى أو الأوضاع المتعلقة بالأسرى في السجون الإسرائيلية.
كما عرض البرنامج تفاصيل اجتماع آخر لهيئة أركان كتائب عز الدين القسام، عقد يوم الخميس 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستمر ست ساعات، برئاسة محمد الضيف، وبحضور عدد من القادة العسكريين، من بينهم: علي، وسعد، وأبو إبراهيم، وأبو موسى، وياسر، وشاكر، وفارس، وأسامة، وأبو محمد رافع، وأبو أنس. ووفقا لما ورد في البرنامج، شهد هذا الاجتماع حسم موعد تنفيذ العملية واتخاذ القرار النهائي بالتنفيذ في السابع من أكتوبر. وهذا التفصيل يعيد النظر في الروايات التي حصرت مسؤولية التخطيط والقرار ليحيى السنوار، ويضع محمد الضيف في موقع محوري ضمن عملية الإعداد والحسم، بحسب الوثائق المعروضة.
لكن ما استوقفني في الحلقة الطريقة التي جرى بها تقديم السابع من أكتوبر باعتباره إنجازا عسكريا ونجاحا استراتيجيا، مع استعراض صور ومشاهد من غزة قبل ذلك التاريخ، وكأن ما تلاها لا يستحق أن يكون جزءا من الرواية. أين غزة اليوم من تلك الصور؟ أين المدن التي سويت بالأرض، والبيوت التي دمرت، والعائلات التي أبيدت أو تشردت، وآلاف النازحين الذين يعيشون في الخيام ويواجهون الجوع والأمراض، في ظل المجاعة والتهجير والدمار وإعادة الاحتلال؟
و في الوقت الذي تتصاعد فيه مطالبات الشارع الفلسطيني لحماس بالاعتذار للشعب عما آلت إليه أوضاع غزة، ومصارحته بحقيقة القرارات التي اتخذتها والنتائج التي ترتبت عليها، تفاجئنا قناة الجزيرة ببرنامج يعيد تقديم السابع من أكتوبر في صورة ملحمية، ويستحضر تفاصيل العملية بوصفها إنجازا وبطولة، متجاهلا كل الأهوال التي عاشها القطاع وما انتهى إليه من دمار وتهجير ومجاعة. إن هذا الخطاب لا يمثل فقط استخفافا بآلام الناس، بل تحقيرا لدماء الشهداء ومعاناة ذويهم، وإصرارا على صناعة صورة بطولية لحماس، بدلا من مواجهة أسئلة المسؤولية والمحاسبة. وهو امتداد لدور الجزيرة في تسويق رواية الحركة وتمرير خطابها إلى الشعوب العربية، من دون الالتفات إلى حجم التضليل الذي يرافق تغييب المأساة الإنسانية، وكأن المطلوب من الفلسطينيين والعرب أن يحتفوا بالعملية، وأن يتجاهلوا ما حل بغزة وأهلها بعدها.
إن ما جرى في غزة، وما انتهى إليه القطاع من دمار وتهجير ومجاعة وعودة الاحتلال، يفرض إعادة النظر جذريا في الدور الذي لعبته حماس، وفي التحالفات التي تمسكت بها من أجل البقاء في المشهد السياسي، مهما كان الثمن الذي يدفعه أهل غزة. فالتاريخ حينما يكتب عن السابع من أكتوبر سيوثق أيضا ما ترتب عليها من كوارث ومآس. أما تقديم كل ذلك باعتباره نصرا، وتجاهل مأساة شعب بأكمله، فيفرض إعادة النظر في استمرار وجود حماس في المشهد السياسي الفلسطيني، وضرورة حظرها، أسوة بما اتخذته دول عربية من قرارات بحظر جماعة الإخوان المسلمين. فغزة كانت موطئ القدم الأول لمشروع الإخوان المسلمين في المنطقة العربية، منذ انقلاب حماس وسيطرتها على القطاع عام 2007، ومنذ ذلك الحين استمر التنظيم في توظيف غزة ضمن مشاريعه السياسية والتنظيمية، والبحث عن صيغ وتحالفات تضمن بقاءه واستمرار نفوذه مهما كان الثمن الذي يدفعه الشعب الفلسطيني وقضيته.
