تغريد سعادة
ونحن نتابع ما كتب على وسائل التواصل الاجتماعي خلال عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، ونتحدث هنا عن بعض الجمهور الأكاديمي والمهني والمثقف، من المفترض أن يقيم المواقف والأحداث استنادا إلى المقارنات والمعطيات والبيانات، لا بطريقة انطباعية وعاطفية كما يحدث بخصوص حركة فتح.
من المثير للاستغراب حجم التعاطف مع بعض الشخصيات في حركة فتح التي لم يحالفها الحظ بالفوز بعضوية اللجنة المركزية، مع تصوير الأمر وكأن عدم الفوز سببه انتصار “الفاسدين” أو “العملاء”. هذا النوع من التقييم الحاد يكشف خللا في التفكير، ومحاولات لاستغلال حالة الغضب الشعبي عبر تقديم بعض الأشخاص بصورة الأبطال، رغم أنهم في الحقيقة يستخدمون الخطاب ذاته الذي تتبناه الحركة ضمن برنامجها السياسي.
وعلى سبيل المثال، ما كتب عن سفير فلسطين في بريطانيا حسام زملط، الذي اعتمد في خطاباته خلال الحرب في غزة الموقف الرسمي لحركة فتح، ونجح خلال حرب الإبادة على غزة في جذب تعاطف واسع مع القضية الفلسطينية وصل إلى الملايين. ومع ذلك، جرى تصوير خسارته في الصعود إلى اللجنة المركزية على أنها دليل على كونه “استثناءً” في الخطاب، وأنه لا يمكن أن ينجح في ظل وجود “عملاء” داخل الحركة. رغم ان اعتبارات عدم نجاحه امر داخلي بحت.
و هذا الطرح يتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن عدم إدانة حركة حماس لعمليتها لم يكن موقفا شخصيا للسفير زملط، بل كان جزءا من موقف حركة فتح نفسها. وبالتالي، فإن ما صدر عنه لا يمكن اعتباره اجتهادا فرديا خارج سياق الحركة أو خروجا عن خطابها السياسي، بل كان تعبيرا عن الموقف الرسمي الذي تبنته الحركة خلال الحرب.
ما يكتب اليوم، وخاصة من بعض الفاعلين في الوسط الثقافي والمهني، يستوجب العودة إلى المنطق والعقل والاجتهاد الشخصي في المتابعة والتحليل. فمن الصعب الإحاطة بكل المعلومات، لكن الواضح أن هناك خطابا موجها ضد الحركة، يصل أحيانا إلى حد اتهامها بالعمالة، رغم أن الحركة تضم بين صفوفها مناضلين وأسرى محررين وشخصيات وطنية ذات اعتبار، وتعتمد خطاب يراه الكثيرين انه وطني.
إن الإصرار على نزع الوطنية عن حركة فتح، رغم ما يقدمه أبناؤها من مواقف وأفعال وطنية، ثم التعامل مع هذه المواقف على أنها اجتهادات شخصية لا تمثل الحركة، يعد ظلما في تقييم الحركة وتاريخها السياسي والنضالي.
فالحركة تواجه منذ سنوات حجما كبيرا من الانتقادات، في ظل تركيز إعلامي مكثف ومعاد، سواء من الاحتلال أو من خصومها السياسيين، وفي مقدمتهم حركة حماس التي تمتلك حضور إعلامي واسع ومنصات مؤثرة، إلى جانب دعم من قنوات عربية مختلفة مما يمنح خطابها مساحة انتشار وتأثير أكبر لدى الرأي العام.
إن الاختلاف مع حركة فتح أو انتقادها حق مشروع، لكن تحويل ذلك إلى نفي كامل لوطنيتها أو اختزال تاريخها في اتهامات عامة بالفساد أو العمالة، يتجاوز النقد السياسي إلى حالة من التعميم والانفعال التي تضر بالحقيقة وبالوعي الوطني الفلسطيني نفسه، وبقضية فلسطين باعتبار فتح قائدة العمل الفلسطيني.
