تغريد سعادة
في خضم الحرب الأميركية/الإسرائيلية مع إيران، برزت مواقف ومصطلحات متناقضة حول كيفية التعامل مع الصراع، أعادت التذكير بأن الحفاظ على الوطن والإنسان يجب أن يبقى القيمة الأعلى في أي مواجهة.
شهدنا تصريحات، تؤكد رفض الانخراط في حرب مع إيران (من قطر صاحبة قناة الجزيرة وبعض الاصوات من الاردن) وتدعو إلى حقن الدماء وتغليب المصلحة الوطنية. لكن المفارقة أن هذه الأطراف نفسها دعمت طوال سنوات خيارات عسكرية انتهجتها حركة حماس، فيما جرى تصوير أي خيار سياسي أو وطني آخر باعتباره خيانة أو تراجعا عن المقاومة.
هذا التناقض يعكس أزمة أعمق في التعاطي مع القضية الفلسطينية. فالنضال ضد الاحتلال حق مشروع للشعب الفلسطيني، لكنه ليس مجرد عمل عسكري، بل مسار وطني متكامل يقوم على أدوات سياسية وشعبية ودبلوماسية ونضالية متراكمة تقود في النهاية إلى التحرر وإنهاء الاحتلال.
وعلى امتداد عقود، حقق المشروع الوطني الفلسطيني إنجازات مهمة، من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي للشعب الفلسطيني عام 1974، إلى إعلان الاستقلال عام 1988 وما تبعه من اعترافات دولية متزايدة بدولة فلسطين. وهذه محطة تاريخية سابقة وليست وليدة أحداث لاحقة كما يحاول البعض تصويرها أو ربطها مع نكبة السابع من أكتوبر.
وخلال هذه المسيرة، انتقلت القضية الفلسطينية من كونها قضية لاجئين إلى قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال، لتصبح واحدة من أبرز قضايا التحرر الوطني في العالم. وقد ارتبط هذا الحضور الدولي طويلا باسم الزعيم الراحل ياسر عرفات، الذي لعب دورا محوريا في نقل القضية الفلسطينية إلى الساحة العالمية، حتى بات الفلسطينيون يعرفون لدى كثير من شعوب العالم باعتبارهم “شعب ياسر عرفات”، في تعبير عن المكانة التي اكتسبتها القضية الفلسطينية ورمزيتها في الوعي الدولي، وبعيدا عن محاولات التشويه أو التبسيط أو محو هذا الإرث السياسي.
في المقابل، ظهرت حركة حماس بخطاب استطاع استقطاب قطاعات واسعة تحت شعارات المقاومة والتحرير، لكنه ارتبط أيضا بتخوين القوى الوطنية الأخرى، وفي مقدمتها حركة فتح، رغم أن حماس نفسها لا تزال تتحدث عن أهداف سبق أن وضع المشروع الوطني الفلسطيني أسسها السياسية والقانونية.
وفي ظل خطاب إعلامي صاخب قدم المواجهة العسكرية باعتبارها الطريق الوحيد للتحرير، اعتقد كثيرون أن هذا النهج سيقود إلى النصر. لكن السنوات اللاحقة كشفت حجم الأثمان التي دفعتها القضية الفلسطينية نتيجة الانقسام الداخلي وتغليب الحسابات الفصائلية على المشروع الوطني الجامع، كما أعادت طرح أسئلة جدية حول حجم الاستفادة التي جناها الاحتلال من هذا الانقسام.
لقد دعمت إسرائيل، وفق ما أقر به مسؤولون إسرائيليون سابقون وتقارير عديدة، وجود حماس في مراحل مختلفة، و بينما كانت الحركة تتلقى دعما ماليا وسياسيا في وقت كانت فيه السلطة الفلسطينية تواجه ضغوطا مالية وسياسية متواصلة. ورغم ذلك، تركز النقد على السلطة أكثر مما تركز على السياسات التي عمقت الانقسام وأضعفت الموقف الفلسطيني.
كما بدا أن حركة حماس راهنت على أن المشروع الإسلامي السياسي قادر على إنتاج نتائج مشابهة لتجارب أخرى في المنطقة. كما حدث بالحالة السورية، حيث انتهت سنوات طويلة من الصراع إلى واقع سياسي جديد ما زال محل جدل واسع، بعد أن دفعت سوريا أثمانا باهظة من استقرارها ومؤسساتها وقدراتها الوطنية.
ويبدو أن حماس ما زالت تراهن على أن الجمع بين ارتباطها بالمشروع الإخواني ورفعها شعار مقاومة الاحتلال سيضمن لها الاستمرار. غير أن الحالة الفلسطينية تختلف جذريا عن أي تجربة أخرى؛ فالاحتلال موجود على الأرض، وقضية التحرر الوطني ليست ملف سياسي عابر، بل جوهر حياة الفلسطينيين وهويتهم الوطنية.
ورغم وضوح كثير من هذه الوقائع، لا يزال البعض يشكك في وطنية المشروع الوطني الفلسطيني الذي تمثله السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، متناسيا أن أي نقد لهذا المشروع يجب أن يكون بهدف إصلاحه وتعزيزه، لا إضعافه لصالح مشاريع اسلامية في المنطقة أو حسابات سياسية ضيقة، كما يتحالف بعض معارضين الرئيس محمود عباس وانخراطهم في تحالفات ظرفية مع أطراف إقليمية. فالمساس بالمشروع الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة الحساسة هو مساس مباشر بالقضية الفلسطينية نفسها.
