تغريد سعادة
في الوقت الذي كان الشعب الفلسطيني في غزة يدفع أثمانا باهظة من دمائه وأرضه وبيوته، استمرت حركة حماس في إدارة ملف الرهائن الاسرائيليين والمفاوضات بمنطق السعي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية. وكانت المعادلة التي تبنتها؛ فبينما كان بنيامين نتنياهو يمضي في حربه المدمرة على غزة، موقعا أعدادا هائلة من الشهداء الفلسطينيين، كانت حماس تتمسك بأوراق التفاوض وتناور بها أملا في انتزاع إنجاز سياسي، حتى لو كان الثمن المزيد من دم الشعب الفلسطيني.
واليوم، وبعد أن أعيد احتلال أجزاء واسعة من غزة، وبعد هذا الكم الهائل من الخسائر البشرية والمادية، لا تبدو حماس وكأنها تعلمت من التجربة القاسية. فما زالت تتعامل مع الدم الفلسطيني بوصفه جزءا من أدوات المناورة السياسية، في حين كان من الواجب الوطني أن يكون هذا الدم خارج أي حسابات.
وليس هذا السلوك جديد. فمنذ سنوات تعاملت الحركة مع المسار السياسي الفلسطيني باعتباره خصما يجب إفشاله. وخلال سنوات اتفاق أوسلو تصاعدت وتيرة عملياتها بصورة ساهمت في إضعاف فرص نجاح المسار السياسي، ثم عادت لاحقا لتؤكد أن الاتفاق لم يحقق شيئا، متكئة على ذاكرة شعب أنهكته الحروب والأزمات المتلاحقة وبات يبحث عن فرصة لالتقاط أنفاسه وسط العواصف التي اجتاحت حياته منذ صعود الحركة وتعاظم حضور شعاراتها.
واليوم تطالعنا الحركة بمقترح جديد قدمته للإدارة الأمريكية يتضمن هدنة طويلة الأمد لا تقل عن خمس سنوات، في خطوة تبدو وكأنها محاولة لفتح الطريق أمام استمرار سيطرتها على قطاع غزة وإدارة المرحلة المقبلة. ويأتي ذلك في وقت تتجاهل فيه الحركة قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بمستقبل غزة، وغير مكترثة بما آلت إليه الأوضاع نتيجة سياساتها، ولا بحجم الكارثة التي دفع الشعب الفلسطيني ثمنها على مدار السنوات الماضية.
وأمام هذه التطورات، يصبح من حق الشعب الفلسطيني أن يقول كلمته بوضوح، وأن يرفض استمرار استغلال قضيته ومعاناته في حسابات حماس ومناوراتها السياسية. فقد آن الأوان لأن تتوقف حماس عن إدارة القضية بمنطق المكاسب الحزبية، بينما يدفع الفلسطينيون الثمن من دمائهم وأرضهم ومستقبلهم.
لقد رفعت الحركة شعار المقاومة لعقود، لكن من حق الشعب الفلسطيني أن يسأل اليوم عن حصيلة هذا المسار بعد كل ما لحق بغزة والقضية الوطنية من خسائر وتضحيات. فلا يجوز الاستمرار في الاحتماء بالشعارات أو التعويل على أن قسوة الظروف ستمنع الفلسطينيين من محاسبة من تسبب في هذه النتائج أو أن ذاكرتهم قصيرة إلى هذا الحد.
إن القضية الفلسطينية أكبر من حماس، والشعب الفلسطيني هو صاحب الحق الأول في تقرير مصيرها. ومن هنا فإن المطلوب من حماس أن تتوقف عن المناورات السياسية والتلاعب بمستقبل القضية تحت عناوين لم تعد تكفي لتبرير حجم الأثمان التي دفعها الفلسطينيون. كما أن من حق الفلسطينيين، بل من واجبهم، محاسبة هذه الحركة التي اتخذت قرارات مصيرية حملت الشعب كلفة باهظة دون اكتراث بنتائجها وتداعياتها.
لقد تصرفت حماس لسنوات وكأن من حقها رهن مصير غزة ومستقبل أهلها، وكأنها الوصي على القضية الفلسطينية، متجاهلة أنها كانت طرف في تعميق معاناة الشعب الفلسطيني وترسيخ الانقسام بين غزة والضفة الغربية. وبدلا من مراجعة التجربة واستخلاص الدروس، استمرت في المناورة وكأن القضية بلا أصحاب، متجاهلة آراء شريحة واسعة من الفلسطينيين، ومعتمدة في كثير من الأحيان على خطاب التخوين والتشكيك تجاه خصومها السياسيين، وعلى افتراض ضمني بأنها فوق المساءلة والمحاسبة.
