سجل في القائمة البريدية

Edit Template

بين التحليل والانطباع: أزمة التقييم في الخطاب السياسي

تغريد سعادة

في النقاشات السياسية، كثيرا ما تتردد أوصاف جاهزة تختصر المواقف وتضعها في قوالب ضيقة، لعل أبرزها وصف الآراء بأنها “أبيض أو أسود”. هذا التعبير، الذي يبدو في ظاهره نقدا لطريقة التفكير، يكشف في عمقه عن إشكالية أوسع تتعلق بكيفية تشكل الأحكام لدى الأفراد، وحدود التمييز بين التحليل والانطباع.

ليس من الدقة اعتبار كل موقف واضح أو حاسم تعبيرا عن تفكير ثنائي أو تبسيطي. فالعمل السياسي، كما البحثي والصحفي، يقوم في جوهره على قراءة الوقائع وربطها وتحليلها وصولا إلى استنتاجات قد تكون حادة أحيانا، لكنها لا تختزل بالضرورة في ثنائية “صواب مطلق” و”خطأ مطلق”. غير أن المتلقي، الذي لا يطلع دائما على كامل مسار التحليل، قد يرى في النتيجة النهائية اختزال فيصفها بأنها “أبيض أو أسود”.

هنا تظهر الفجوة بين إنتاج الموقف وتلقيه. فبينما يبنى الأول على معطيات وتراكمات، يقاس الثاني بالانطباع المباشر، أو بمدى توافقه مع القناعات المسبقة. وهذا ما يجعل بعض الأوصاف المتداولة أقرب إلى ردود فعل منها إلى تقييمات موضوعية.

تتضح هذه الإشكالية أكثر في الخطاب العام، حيث تميل الأحكام إلى الحدة والتناقض. ففي الحالة الفلسطينية المتعلقة بحركة فتح مثلا، يمكن ملاحظة مفارقة لافتة، شخصيتان قياديتان تنتميان إلى نفس الإطار التنظيمي، عملتا تحت قيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وتحملان المرجعية الفكرية ذاتها، وشغلتا مواقع متقدمة في البنية الحركية والميدانية، واحدهم اسير حالي والاخر اسير سابق، ومع ذلك يمنح الاول وصف “المناضل”، بينما يوسم الآخر بـ“العميل”.

هذا التباين الحاد لا يمكن فهمه بمعزل عن تدخل عوامل مؤثرة في تشكيل الحكم، أبرزها الصورة الإعلامية والتجربة الشخصية للمتلقي، حيث تتشكل الانطباعات أحيانا دون إخضاعها لقدر كاف من التدقيق. في هذا السياق، لا يقوم التقييم على معيار ثابت، بل على مزيج من الانطباعات والسرديات الجاهزة التي يعاد إنتاجها وتكريسها.

إن هذا النمط من التصنيف، مناضل مقابل عميل، صواب مقابل خطأ، يعكس ذهنية تميل إلى تبسيط التعقيد السياسي في ثنائيات مريحة. وهي ذات الذهنية التي قد تدفع البعض إلى وصف الآراء المخالفة بأنها “أبيض أو أسود”، لأنها ببساطة لا تنسجم مع تصوراته أو لا تترك له مساحة رمادية يتحرك فيها وفقا للمستجدات والمعطيات الجديدة.

المشكلة هنا غياب الأساس الواضح الذي تبنى عليه الاراء. فحين تغيب المعايير، يتحول التقييم من تحليل إلى انطباع، ومن قراءة في الوقائع إلى انعكاس للمزاج العام. وفي هذه الحالة، لا يعود الخلاف حول الوقائع، بل حول طريقة رؤيتها وتأويلها.

إن استعادة النقاش السياسي إلى مساره الصحي تقتضي التمييز بين الرأي المبني على تحليل والرأي المبني على انطباع، وبين النقد الذي يستند إلى معايير واضحة، و يمتد في مساحة أوسع، وتتطلب قدرا من الوعي بحدود المعرفة، وجرأة في مراجعة الأحكام قبل إطلاقها.

Post Views44 Total Count

تصفح المواضيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ethical Dimensions in the Digital Age

The Internet is becoming the town square for the global village of tomorrow.

الأكثر قراءة

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

هاشتاغ

عن زيتون نيوز

زيتون نيوز موقع اعلامي صادر عن مركز رام للدراسات العربية. مختص بالشؤون العربية في كندا، بالاضافة الى الاهتمام بأهم القضايا في الوطن العربي. وهو موقع مهني تشرف عليه الصحفية تغريد سعادة التي تعمل في الصحافة لما يزيد عن عقدين من الزمان.
يقع المكتب الرئيسي في مدينة ادمنتون / ألبرتا. ويعمل على تقديم تغطية شاملة، لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب في كندا. 

آخر الأخبار

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

أقسام

 Zaytoun News © 2024

error: Content is protected !!