تغريد سعادة
أكد مصدر فلسطيني مسؤول أن السلطة الفلسطينية قامت بتسليم محمود العدرا، المعروف باسم هشام حرب، إلى السلطات الفرنسية، على خلفية اتهامه بتنفيذ هجوم في باريس قبل نحو 43 عاما، وذلك وفق القوانين المعمول بها بين البلدين في قضايا تسليم المطلوبين.
ونفى المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، لـ”زيتون نيوز”، أن يكون حرب قد التحق بأجهزة أمن السلطة، موضحا أن ما كانت تتلقاه عائلته هو دعم مالي لأسباب اجتماعية وإنسانية، وليس راتبا وظيفيا.
وأعلن الادعاء العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب، اليوم، أن حرب، أحد المشتبه بهم الأربعة المطلوبين في الهجوم الذي وقع في 9 أغسطس 1982، واستهدف مطعم “جو غولدنبرغ” في الحي اليهودي وسط باريس، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 22 آخرين، تم توقيفه فور وصوله إلى فرنسا، واحتجز في قاعدة جوية بالقرب من العاصمة باريس، وعقدت المحكمة الفرنسية اليوم جلسة تمهيدا للمحاكمة.
ويبلغ حرب من العمر 72 عاما، وهو مطلوب بموجب مذكرة توقيف دولية منذ أكثر من عشر سنوات، وكان قد أُحيل مع خمسة آخرين في أواخر يوليو 2025 إلى محكمة الجنايات الخاصة في باريس بتهمة ارتكاب هذا الهجوم.
ولأكثر من ثلاثة عقود، ظلت قضية هجوم شارع روزييه غامضة، وصنفت بأنها أخطر هجوم معاد لليهود في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية. وفي عام 2007، أعاد القاضي الفرنسي مارك تريفيديك فتح ملف القضية بعد سنوات من التحقيقات المتعثرة، وتمكن في عام 2008 من تحديد هوية حرب بفضل شهادتين سريتين أدلى بهما عضوان سابقان في تنظيم أبو نضال، عرفا باسم “الشاهدين 93 و107″، حيث أكدا أنه كان قائد المجموعة المنفذة على الأرض والمشرف المباشر على تنفيذ العملية. كما تعرف عليه أحد الناجين من الهجوم، غي بناروس، الذي كان يبلغ 16 عاما وقت وقوعه، مؤكدا أنه رآه يطلق النار أثناء فراره من المكان.
وتشير التحقيقات إلى أن حرب كان المسؤول الميداني عن تنفيذ العملية، حيث شارك في تحديد الأهداف والتخطيط اللوجستي، بينما كان محمد صهيب العباسي، المعروف باسم أمجد عطا، هو المخطط العام للهجوم.
كما كشفت التحقيقات أن حرب كان قد عمل مدربا على الأسلحة في معسكرات تنظيم أبو نضال في سوريا، قبل أن يعيَن مسؤولا عن الإمدادات في أوروبا وآسيا. وبينت التحريات أنه استلم الأسلحة المستخدمة في الهجوم، وهي رشاشات من طراز WZ-63 وقنابل يدوية، من مخبأ سري قبل التنفيذ، وقد عثر على هذه الأسلحة بعد أيام من الجريمة في غابة بولونيا غرب باريس، ما ربط الهجوم بالتنظيم. وأشارت الشهادات أيضا إلى أنه قاد عملية استطلاع ميداني للموقع قبل أسبوعين من التنفيذ، متنكرا برفقة أحد رفاقه بصفة طالبين جامعيين.
وينتمي حرب إلى تنظيم “فتح – المجلس الثوري”، المعروف بتنظيم أبو نضال، الذي تأسس عام 1974 كتنظيم منشق عن حركة فتح، ونفذ خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي سلسلة من العمليات المسلحة في عدة دول، شملت اغتيالات طالت أيضا قيادات فلسطينية في لبنان والعراق وليبيا والكويت وتونس ومناطق أخرى، ومن بينها اتهام حركة فتح لتنظيم أبو نضال باغتيال قيادات بارزة مثل أبو إياد وأبو الهول وأبو محمد العمري.
وتتهم حركة فتح أيضا تنظيم أبو نضال بأنه نفذ عمليات خدمت إسرائيل، من بينها إطلاق النار على السفير الإسرائيلي في لندن عام 1982، مما استخدم ذريعة لاجتياح بيروت.
وبحسب المعلومات، بدأ حرب مسيرته داخل التنظيم كمدرب للأسلحة النارية في معسكراته بسوريا، قبل أن يتدرج ليصبح عضوا في اللجنة المركزية ورئيسا لقسم التسليح في أوروبا وآسيا، وذلك بعد مشاركته في عمليات سابقة، من بينها اغتيال أحد المنشقين عن التنظيم في مدريد. وعاد في إطار تسوية أوضاع عدد من عناصر التنظيم في تسعينيات القرن الماضي.
وكانت فرنسا قد طالبت بتسليم حرب منذ عام 2015 بموجب مذكرة توقيف دولية، إلا أن السلطة الفلسطينية رفضت في ذلك الوقت تسليم المطلوبين بحجة عدم الاعتراف بفلسطين كدولة. غير أن اعتراف فرنسا بدولة فلسطين في سبتمبر 2025 غير هذا الواقع وفتح المجال أمام تعاون قضائي بين الطرفين. وقد تم توقيف حرب في 19 سبتمبر، قبل أيام قليلة من إعلان الاعتراف الفرنسي، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة تحمل دلالات سياسية تعكس رغبة في تعزيز العلاقات بين باريس ورام الله.
وفي هذا السياق، كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أعلن، في مقابلة مع صحيفة “لوفيغارو”، نوفمبر الماضي قبل لقائه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن الإجراءات القانونية المتعلقة بالتسليم وصلت إلى مراحلها النهائية، ولم يتبق سوى بعض التفاصيل الفنية. كما جدد تأكيده استعداد السلطة الفلسطينية لتسليم المطلوب، معتبرا أن اعتراف فرنسا بدولة فلسطين هيأ الإطار المناسب لهذا الطلب. من جهته، أشاد ماكرون بالتعاون مع السلطة الفلسطينية، فيما أكد قصر الإليزيه أنه لا توجد أي عقبات قانونية أمام عملية التسليم، بل إن الأمر يتعلق فقط بالجوانب التنفيذية.
وفي المقابل، أعربت عائلة حرب عن مخاوفها بشأن وضعه الصحي، مشيرة إلى أنه يعاني من عدة أمراض، من بينها السرطان ومشاكل في الأعصاب.
ولا تزال مذكرات توقيف دولية سارية بحق مشتبه بهم آخرين في القضية، من بينهم نزار توفيق حمادة وأمجد عطا ونبيل عثمان.
