تغريد سعادة
لم يعد خافيا أن واحدة من أخطر أزمات المجتمعات العربية اليوم تتمثل في تعطل العقول عن مراجعة نفسها. هذه الحالة تقف خلفها أسباب متعددة، يأتي في مقدمتها تحول الأيديولوجيا من إطار فكري إلى قيد يمنع التفكير. وينطبق ذلك بشكل خاص على الأيديولوجيات الدينية واليسارية حين تتحول إلى منظومات مغلقة لا تقبل النقد أو المراجعة.
في الاصل يفترض أن تكون الأيديولوجيا وسيلة لفهم العالم وتنظيمه، لكنها في الحالة العربية تحولت إلى منظومة مغلقة تلغي التفكير النقدي وتقدم إجابات جاهزة لكل سؤال. عند هذه النقطة، لا يعود العقل يبحث أو يشك أو يفحص، بل يكتفي بترديد ما ينسجم مع “عقيدته”، ويرفض كل ما سواها.
هذا الجمود الفكري، يجعل المبادئ تتحول إلى أصفاد، ويغلق الباب أمام مناقشة أي احتمالات أخرى. ومع الوقت، تتكرس حالة من تغبيش الوعي، حيث تقدم تفسيرات بسيطة ومطمئنة لواقع معقد، فيتراجع الدافع لبذل جهد ذهني حقيقي لفحص الأدلة أو إعادة النظر في القناعات. وهنا يظهر التحيز بوضوح، إذ لا يرى العقل المؤدلج إلا ما يريد أن يراه، ويتجاهل كل ما يناقضه.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعمق حين ترتبط الأيديولوجيا بالأمن النفسي للاشخاص، إذ تمنحهم شعورا بالانتماء والهوية، فيتحول الدفاع عنها إلى دفاع عن الذات. عندها، لا يعود النقاش ممكنا، كما يحدث اليوم، لأن أي نقد يفهم كتهديد شخصي، فتغلق أدوات الحوار وتخمد دوافع الشك والبحث. بل يتجاوز الأمر ذلك إلى قمع النقد عبر وصم المخالف وتهميشه، وصولا إلى شيطنته.
في هذا السياق، يصبح من الضروري أن تتوقف المجتمعات العربية عند لحظة مراجعة حقيقية، تعيد فيها النظر في أولوياتها، وتفهم مصالح دولها ضمن الظروف المحيطة بها. فالدول لا تتحرك بالشعارات، بل بالمصالح، والسياسة بطبيعتها متغيرة وليست ثابتة.
لكن حين تتحول الأفكار إلى مسلمات، ويتوقف العقل عن السؤال، يصبح التغيير مستحيلا، ويترك الواقع ليعيد فرض نفسه، ولكن بثمن أعلى.
