تغريد سعادة
أثار الجدل الدائر حول فيلم فلسطين 36 للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، والذي وصل إلى القائمة القصيرة للأوسكار، ما طرحه الروائي إبراهيم نصر الله في بيانه الذي نشره على صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي، والمتعلق بما اعتبره اتهاما بأن الفيلم قد يكون مستندا إلى روايته زمن الخيول البيضاء والتي تناولت حقبة تاريخية اوسع. وقد أعاد هذا النقاش طرح مسألة الملكية الفكرية في الأعمال التاريخية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأعمال تتناول التاريخ الفلسطيني.
وفي هذا السياق، يدور النقاش حول حدود التشابه بين الأعمال الأدبية أو السينمائية التي تنتمي إلى الفترة التاريخية نفسها، وما إذا كان هذا التشابه ناتجا عن اقتباس مباشر من عمل سابق، أم عن اعتماد مشترك على مصادر تاريخية موحدة وذاكرة جمعية ممتدة تشكلت عبر الروايات الشفوية والكتب والدراسات التاريخية.
من الناحية المبدئية، لا يمكن التعامل مع التاريخ بوصفه مادة قابلة للامتلاك. فالأحداث الكبرى مثل الثورات والنكبات والتحولات الاجتماعية لا تنتمي إلى كاتب أو عمل بعينه، بل هي جزء من ذاكرة جماعية موثقة في الكتب والشهادات والروايات الشفوية. لذلك فإن ظهور شخصيات متشابهة مثل الفلاح أو المناضل أو اللاجئ أو دور سكان المدينة هو أمر متوقع في أي عمل يتناول التجربة الفلسطينية، لأنه يستمد مادته من واقع تاريخي واحد.
في هذا السياق، تصبح مسألة التشابه بين الأعمال التاريخية أقرب إلى كونها نتيجة طبيعية لوحدة المصدر، لا دليلا تلقائيا على الاقتباس أو السرقة. فالتاريخ الفلسطيني، بما يحمله من تفاصيل إنسانية واجتماعية متكررة، ينتج بطبيعته سرديات متقاربة في ملامحها العامة، حتى وإن اختلفت في معالجتها الفنية.
ولعل المثال الأوضح على فكرة “تشابه المعالجات بسبب الذاكرة الجمعية” هو ما يمكن ملاحظته بين فيلم فلسطين 36 ومسلسل التغريبة الفلسطينية من تأليف الكاتب الكبير وليد سيف خلال معالجته لثورة 36 ضمن احداث المسلسل. فهناك بالفعل خطوط وتفاصيل ومناخات عامة متقاربة بين العملين، سواء في صورة الفلاح الفلسطيني أو التحولات الاجتماعية أو علاقة الناس بالأرض والثورة. ومع ذلك، لم يخرج أحد لاتهام مخرجة الفيلم بسرقة “التغريبة الفلسطينية”، لأن الجميع يدرك أن وليد سيف نفسه لم يقدم التاريخ الفلسطيني كملكية خاصة، بل أعاد صياغته فنيا معتمدا على التاريخ الشفوي والرواية الجمعية والشهادات المتوارثة.
وقد أشار الكاتب الفلسطيني سمير البرقاوي إلى هذه الفكرة حين كتب على صفحته على الفيسبوك معلقا على الجدل الدائر أن هناك شخصيات تتكرر طبيعيا في الروايات مثل، ثائر، عميل، إقطاعي، شيخ جامع، طفل ذكي، وأم صابرة، وأن تكرارها لا يعني أن كاتبا سرقها من آخر، لأن هذه النماذج جزء من الواقع الإنساني والتاريخي الفلسطيني، وليست اختراعا فرديا.
كما لفت البرقاوي إلى أن كثيرا من النقاد العالميين تحدثوا عن محدودية الحبكات الإنسانية أصلا، مستشهدا بكتاب الناقد كريستوفر بوكر الذي رأى أن القصص الكبرى تعود إلى عدد محدود من الحبكات الأساسية، وبالناقد الفرنسي جورج بولتي الذي تحدث عن “المواقف الدرامية الستة والثلاثين” بوصفها القوالب الأساسية للدراما الإنسانية. وهذه الإشارات تدعم فكرة أن التشابه في الثيمات والشخصيات العامة أمر طبيعي في الأدب، ولا يمكن وحده اعتباره دليلا على السرقة أو الاقتباس.
والمفارقة هنا أن إبراهيم نصر الله نفسه تعرض سابقا لملاحظات نقدية حول تأثر بعض أعماله بأفلام وروايات عالمية. وقد كتب الناقد الفلسطيني عادل الأسطة متسائلا عما إذا كانت بعض روايات نصر الله متأثرة ببناءات سينمائية أو أعمال أدبية أخرى، مشيرا إلى روايات مثل “عو” و“حارس المدينة الضائعة”، وإلى مقالات قارنت بعض أعماله بأفلام عالمية معروفة. كما أشار الأسطة إلى ما كتبه نصر الله بنفسه في سيرته طفولتي حتى الآن عن تأثره المبكر بما قرأه وشاهده، خاصة بعد قراءته لرواية “فهرنهايت 451” للكاتب راي برادبري، وهو ما اعتبره الأسطة مثالا طبيعيا على تأثير القراءة والسينما في تكوين أي كاتب.
وجاء في مقال الأسطة إلى أنه أثناء تواصله مع ناقد نشيط (لم يسمه)، أبلغه هذا الأخير بأن رواية زمن الخيول البيضاء للكاتب نصر الله قد تكون متأثرة بفيلم بعنوان “زمن الخيول البيض”، كان قد عرض قبل كتابة الرواية، في فترة كان فيها الكاتب يعمل في مؤسسة عبد المحسن القطان (شومان). ويضيف الأسطة أن هذا الطرح يحتاج إلى بحث وتحقق علمي قبل تبنيه أو الجزم به.
يبقى التاريخ ملكا للجميع، بينما تبقى القيمة الحقيقية لأي عمل فني في قدرته على إعادة تقديم هذا التاريخ برؤية إنسانية وإبداعية خاصة، لا في ادعاء احتكاره أو امتلاكه.
