تغريد سعادة
يوجه الكثير انتقادات حيال السلطة الفلسطينية، وتحديدا لقيادة حركة فتح، الحزب الحاكم، وهذا هو المعتاد منذ نشأتها، إذ لم تنج من الانتقاد الدائم حتى منذ حقبة الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات.
وفي الكثير من الأحيان كانت توجه انتقادات تتناسى الظروف الموضوعية للشأن الفلسطيني، ولا تلتفت إلى حقيقة الموقف الفلسطيني، وما إذا كان ضمن هذه الظروف موضوعيا أو ثمة ارتجال.
قد يظن البعض أن الارتجال هو سيد الموقف، رغم أن المتابع الحثيث لما يجري، وتحديدا منذ الانقلاب الذي نفذته حماس، والذي كان، ووفقا للنتائج اليوم، مصلحة إسرائيلية، وإذا ما عدنا للماضي لتؤكد الدلائل كل التسهيلات الإسرائيلية وتجهيزها لتنفيذ الأمر. وهو عمل مدفوع خارجيا من أطراف في المنطقة العربية والإقليمية وبموافقة أمريكية.
حتى المباحثات لإنهاء ما أسموه الانقسام بين فتح وحماس قيدت بحرفية، وضمن معطيات الشد والجذب، لتخلق التناقض بسبب الأصابع والتدخلات الإقليمية والعربية والمنفذة للقرار الأمريكي. كل هذا يشير إلى حساسية الوضع الذي آلت إليه الأمور، وكيف تمت وكيف نفذت، وهو ما يقودنا إلى تقييم حقيقي للوضع.
في حينها، ماذا فعلت فتح؟ وهل كان المطلوب أن تقوم بأكثر من هذا؟ وهل كان بالأساس مسموحا لها، ضمن التدخلات العربية والإقليمية وتشابكات الوضع كله، أن تقوم بأكثر من هذا؟
وإذا أردنا محاسبة قيادة الحركة، وتحديدا سلوك الرئيس محمود عباس “أبو مازن” في القيادة السياسية، فإن الظروف الموضوعية المحيطة وتشابكات التدخلات الدولية، وما قامت به حماس، كان الرد عليه بأفضل ما يمكن. أحيانا ترك الأمور لتمر هو أفضل من التعامل معها سلبا أو إيجابا.
في علم السياسة هناك ما يسمى الامتناع الاستراتيجي (Strategic Restraint) وهو اختيار عدم استخدام القوة أو عدم اتخاذ إجراء، ليس بسبب العجز، وإنما لأن عدم الفعل يخدم المصلحة بصورة أفضل.
والإيحاء بالعجز لدى السلطة، وتحديدا سياسة أبو مازن، قد يكون الرد عليها باختصار، إن عدم التفاعل قد يكون بحد ذاته قرارا سياسيا مقصودا، وليس بالضرورة علامة على الضعف أو غياب القرار.
وهناك العديد من النظريات في علم السياسة تعتبر ان القوة السياسية لا تتمثل فقط في اتخاذ القرارات، بل أيضا في منع بعض القضايا من دخول الأجندة السياسية أو التعامل معها.
وبعبارة اخرى، أحيانا يكون عدم الفعل هو القرار الأكثر فاعلية عندما يكون التدخل سيؤدي إلى نتائج أسوأ من ترك الوضع يتطور دون تدخل وان عدم تغيير الوضع القائم (Status Quo) هو الخيار العقلاني إذا كانت تكلفة التدخل أكبر من فائدته.
تمر القضية الفلسطينية بمرحلة صعبة للغاية، واحيانا تفرض تعقيدات التدخلات الإقليمية والدولية اتخاذ قرار بعدم الانخراط لحين مرور العاصفة. وإذا ما أردنا الحكم على تجربة أبو مازن، وجب أن يكون ذلك ضمن معطيات واعتبارات تتناقض في كثير منها مع ما يتحدث به العامة، بعيدا عن الأحكام الجاهزة والمواقف المعتادة.
وعلينا أن نجيب أولا، هل كان أبو مازن يحرك الأمور باتجاه وطني حقيقي؟ وهل كان قراره عدم مهاجمة حماس خلال الحرب، رغم شتمه لهم خلال اجتماع داخلي فلسطيني بسبب مفاوضاتهم مع الاحتلال وأمريكا والتلاعب في دماء الشعب، قرارا وطنيا خالصا؟ أليس في ذلك حماية لفكرة النضال، بعد أن جرى تجريم ما قامت به حماس من قبل الاتحاد الأوروبي والعالم كله؟
وكيف يتم عند تقييم سلوك عباس التغاضي عما فعله في الأمم المتحدة، وفي موضوع الاستيطان، وفي موضوع الدولة الفلسطينية؟
وهل يكون الحكم عليه من خلال كثرة معارضيه؟ وهل يملك هؤلاء كل هذه القوة فعلا، أم أنهم مجرد أسماء في الإعلام تسعى إلى خلق جو معارض لأفعاله؟ وهل بالاساس معارضتهم وطنية خالصة، ام لمنفعة شخصية؟
احتلال متجبر وصعب، وحالة واقع مزرية بسبب حرب السابع من أكتوبر التي أوصلت القضية إلى الحافة، وتهديد بالهجرة من قطاع غزة، والاستمرار في الصعوبات هناك؛ كلها تخلق أرضية لبحث جديد، والنظر إلى القيادة السياسية، وتحديدا سياسة أبو مازن، بأنها كانت الأكثر قوة أمام معارضيها، من حماس التي جلبت النكبة لشعبنا، والشعبية والمبادرة التي أثرت توفير مظلة لحماس بدل التعاون لإنقاذ القضية، وتيارات المنشقين من فتح، المعلن والغير معلن، وكلها تسير وفق اجتهادات ومظلات خارج المشروع الوطني أو لمشاريع شخصية لا علاقة لها بالوطن.
إن الانتقاد ضرورة وواجب، ولكن علينا أيضا إعادة النظر في كيفية التقييم. فما هو معتاد لا يعني بالضرورة أنه قائم على قاعدة حقيقية، متناسين أن البعض ينتقد كمعارضة لأجل المعارضة، دون أن يملك حلا مقابله، ناهيك عن خصوم لا يحملون مشروعا وطنيا فلسطينيا حقيقيا في لحظة تاريخية هامة تمر بها قضية فلسطين.
