سجل في القائمة البريدية

Edit Template

كيف استطاعت واشنطن توظيف الحركات الإسلامية في المنطقة العربية؟

تغريد سعادة

من خلال متابعة ما جرى ويجري في المنطقة العربية خلال العقد الماضي على اقل تقدير، يصعب النظر إلى الأحداث بمعزل عن مفهوم “إدارة الصراع” بوصفه أحد أهم أدوات السياسة للادارة الامريكية في المنطقة العربية. فالمسألة لا تبدو مقتصرة على مواجهة خصوم أو دعم حلفاء، بل تتجاوز ذلك إلى إدارة التوازنات الإقليمية عبر الإبقاء على حالة من الاستنزاف المستمر ومنع تشكل دول عربية قوية وقادرة على امتلاك قرارها السياسي بصورة مستقلة.

ومن هذا المنطلق، تحولت الحركات الإسلامية والأحزاب الدينية إلى جزء من منظومة إقليمية ودولية أوسع، يجري توظيفها عندما تقتضي الحاجة، وتمنح أدوار محددة ضمن ترتيبات سياسية تخدم مصالح القوى الكبرى أكثر مما تخدم المشاريع التي رفعتها تلك الحركات نفسها خاصة مقاومة الاحتلال.

وتبرز تجربة حركة حماس باعتبارها واحدة من هذه النماذج التي يمكن من خلالها فهم هذه الظاهرة. وقد كنت قد كشفت النقاب عن وجود مباحثات واتصالات بين حركة حماس والإدارة الأمريكية عام 2014، وهو مؤشر مهم على أن واشنطن لم تكن تنظر إلى الحركة باعتبارها مجرد تنظيم معاد ينبغي عزله، بل كطرف يمكن التواصل معه والتعامل معه ضمن حسابات سياسية وإقليمية أوسع، وهو ما كان.

خلال مرحلة ما عرف بالربيع العربي، انخرطت حماس بصورة واضحة في المشروع السياسي للإسلاميين في المنطقة، ودعمت صعود الرئيس المصري الراحل محمد مرسي بعد سقوط نظام حسني مبارك. وفي تلك المرحلة انعدمت مفردات المقاومة في خطاب الحركة لصالح الانخراط في مشروع سياسي إقليمي واسع، كان ينظر إليه باعتباره فرصة لإعادة رسم خريطة المنطقة وصعود الإسلام السياسي إلى السلطة في عدد من الدول العربية.

لكن هذا المشروع لم يكتب له النجاح. فقد تحركت دول عربية وازنة لمواجهة تمدد الإسلام السياسي، وانتهى الأمر بسقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر وتراجع المشروع الذي راهنت عليه قوى عديدة في المنطقة. ومع انهيار هذا المسار، عادت حماس تدريجيا إلى خطاب المقاومة وإلى إعادة التموضع داخل ما يعرف بمحور المقاومة.

فخلال الأزمة السورية وجدت حماس نفسها عمليا في خندق واحد مع قوى وتنظيمات قاتلت الدولة السورية وحلفاءها، واستخدمت السلاح في معركة استهدفت النظام السوري، بما وضعها في مواجهة فعلية مع سوريا وإيران في تلك المرحلة وتؤكد شهادات انهم تقاتلوا بالاسلحة نفسها وبالتكتيك نفسه. غير أن التحولات اللاحقة والوقائع التي فرضتها موازين القوى دفعت الحركة إلى إعادة حساباتها والعودة تدريجيا إلى المحور نفسه الذي كانت قد غادرته، لتعاد صياغة التحالفات من جديد وفق مقتضيات المرحلة.

القضية تتجاوز حماس وحدها. فالسؤال الحقيقي يتعلق بطبيعة تعامل الولايات المتحدة مع الأحزاب الدينية والحركات الإسلامية في المنطقة العربية. فهل كانت واشنطن تسعى فعلا إلى القضاء على هذه الحركات، أم أنها رأت فيها أدوات يمكن توظيفها ضمن سياسة إدارة الصراع ومنع تشكل قوى وطنية مركزية قادرة على فرض استقلالها السياسي؟

إن مراجعة عدد من التجارب في المنطقة تقود إلى ملاحظة مفارقة لافتة. ففي الوقت الذي كانت تفتح فيه قنوات اتصال مع بعض هذه الحركات، كانت السلطات الرسمية والمؤسسات الشرعية تتعرض لضغوط سياسية واقتصادية ومالية متواصلة. وفي الحالة الفلسطينية على سبيل المثال، جرى التعامل مع حماس باعتبارها واقعا لا يمكن تجاوزه، بينما تعرضت السلطة الفلسطينية لضغوط مالية وسياسية أضعفت قدرتها على بناء مؤسسات قوية وقادرة على فرض مشروع وطني موحد.

وقد ساهم هذا الواقع في ترسيخ الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة الغربية، وهو انقسام لم يؤد فقط إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، بل أضعف المشروع الوطني الفلسطيني برمته. وفي الوقت نفسه جرت محاولات لفرض تصورات سياسية على القيادة الفلسطينية الرسمية، كما حدث خلال مرحلة صفقة القرن، في ظل واقع سياسي منقسم ومؤسسات وطنية تعاني من التآكل والضعف.

وفي لبنان يظهر نموذج آخر لهذه الإشكالية. فحزب الله، رغم ما يمتلكه من نفوذ وقوة عسكرية وسياسية، تحول إلى قوة تتجاوز مؤسسات الدولة اللبنانية وترتبط بصورة وثيقة بالمشروع الإيراني في المنطقة. وبدل أن يقود هذا الواقع إلى بناء دولة أقوى أو إلى تحقيق الأهداف الكبرى التي رفعت تحت عناوين المقاومة، أصبحت الدولة اللبنانية أكثر هشاشة وعجز عن احتكار القرار الأمني والعسكري والسياسي.

أن القراءة الأعمق لما جرى خلال العقد الماضي لا تقتصر على فهم الصراع بين هذه الحركات والقوى الدولية، بل تتطلب فهم الكيفية التي جرى من خلالها توظيف هذه الحركات ضمن منظومة إقليمية ودولية قائمة على إدارة الأزمات لا حلها، وعلى استنزاف الدول لا تمكينها، وعلى إبقاء المنطقة في حالة توازن هش يمنع ظهور قوى عربية موحدة وقادرة على فرض إرادتها السياسية بصورة مستقلة. إن إدراك الشارع العربي لهذه المعادلة يساعد على تحديد الطرف الذي تقتضي المصلحة الوطنية الوقوف معه، بعيدا عن الارتهان لشعارات التحرير والمقاومة وحدها. لان المسألة تتجاوز هذه الشعارات.

Post Views17 Total Count

تصفح المواضيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ethical Dimensions in the Digital Age

The Internet is becoming the town square for the global village of tomorrow.

الأكثر قراءة

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

هاشتاغ

عن زيتون نيوز

زيتون نيوز موقع اعلامي صادر عن مركز رام للدراسات العربية. مختص بالشؤون العربية في كندا، بالاضافة الى الاهتمام بأهم القضايا في الوطن العربي. وهو موقع مهني تشرف عليه الصحفية تغريد سعادة التي تعمل في الصحافة لما يزيد عن عقدين من الزمان.
يقع المكتب الرئيسي في مدينة ادمنتون / ألبرتا. ويعمل على تقديم تغطية شاملة، لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب في كندا. 

آخر الأخبار

  • All Posts
  • About Us
  • English News
  • أخبار
  • تحقيقات
  • ثقافة
  • شؤون الجالية
  • شؤون عربية
  • لقاءات
  • مقالات
  • منوعات
    •   Back
    • About us
    •   Back
    • Art and Cinema
    • Interviews

أقسام

 Zaytoun News © 2024

error: Content is protected !!