تغريد سعادة
ونحن نمر في واحدة من أكثر الفترات حساسية في المنطقة في ظل ضغوط متزايدة واحتلال يفتك بالشعب الفلسطيني. كما تشهد المنطقة حربا لا يد للعرب فيها، تدور بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومنذ اندلاع هذه الحرب، لم تتوقف التداعيات والضربات التي طالت دول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي، وسط صمت ملحوظ من شعوب المنطقة تجاه ما يجري.
في بدايات الحرب، حاولت بعض الأصوات الداعمة لإيران أن تغطي على الخيار العربي الحقيقي المتمثل في دعم الدول العربية ومصالحها. ومع تصاعد الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج، حتى خلال فترات وقف إطلاق النار، تعزز الانطباع بأن دول الخليج تعد الخصم الرئيسي في الحسابات الإيرانية. وفي المقابل، لم يظهر موقف أمريكي حازم لردع هذا السلوك، مما يشي بأن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على إضعاف إيران دون القضاء على قدرتها بالكامل، بما يبقيها مصدر تهديد مستمر للدول العربية.
إن هذا الاستهتار بالموقف العربي والعزوف عن تبني موقف جماهيري عربي موحد يعود إلى التأثير الذي مارسته إيران عبر حلفائها وأذرعها في المنطقة، الأمر الذي أسهم في انقسام الرأي العام العربي بين الانتماء الوطني والمشاريع الإقليمية والتي تعمل بالاساس ضد الدول العربية. ومع ما شهدته المنطقة من حروب وصراعات دفعت الشعوب العربية أثمانها الباهظة، برزت تساؤلات جوهرية حول أولوية الانتماء للوطن ومصالحه العليا، وحول جدوى الارتهان لمشاريع أيديولوجية تعمل بالاساس ضد استقرار وتنمية الدول العربية.
تستند المبررات الإيرانية لاستهداف دول الخليج إلى وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، إلا أن هذا التبرير يثير تساؤلات عديدة، خاصة أن قواعد أمريكية موجودة أيضا في دول ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة و إسرائيل كما هي الدولة الجارة لطهران، اذربيجان، ومع ذلك لم تكن هدفا لهذه الضربات.
تحاول إيران استغلال شعارات دعم القضية الفلسطينية، وهي شعارات تلامس مشاعر كثيرين في العالم العربي، إلا أن دعمها لحركة حماس أسهم في تعميق الانقسام الجغرافي والسياسي الفلسطيني بين قطاع غزة والضفة الغربية. كما أن الشعب الفلسطيني دفع أثمانا باهظة نتيجة الحروب المتكررة على القطاع، والتي كان من أبرز نتائجها تدميره وإعادة احتلاله، وسقوط آلاف من الشهداء الفلسطينيين.
لقد كررت إيران على مدى عقود شعار “الموت لإسرائيل”، وجعلته أحد أبرز عناوين خطابها السياسي والإعلامي المستقطبة لشعوب المنطقة العربية. غير أن الممارسات على أرض الواقع تؤكد عدم انسجام هذا الشعار مع السياسات الفعلية. فقد بدا أن الخطر الذي واجهته بعض الدول العربية نتيجة السياسات الإيرانية كان أكثر وضوحا وتأثيرا من الخطر الذي واجهته إسرائيل نفسها صاحبة القرار في الحرب، وهو يؤكد بأن النفوذ والهيمنة الإقليمية يشكلان أولوية متقدمة في الاستراتيجية الإيرانية.
إن هذا التناقض بين الشعارات والممارسات يطرح تساؤلات مشروعة حول حقيقة الأولويات الإيرانية، وما إذا كان الصراع مع إسرائيل هو الهدف الرئيسي فعلا، أم أن توسيع النفوذ في العالم العربي واضعافه يمثل أولوية أكبر، خاصة في ظل ما يتداول عن احتمالات تفاهمات أو اتفاقات أمريكية ـ إسرائيلية مع إيران.فهل يدرك مؤيدو طهران من العرب ذلك؟
